كتاب وأراء

المثل الأعلى

استعظمت رجلا عاش في بغداد في القرن الثالث وقالوا عنه انه كان إماما في الزهد والصدق والعلم، اسمه «ابراهيم بن اسحق الحربي» وأنه لم يكن معروفا للعامة في عصرنا الحديث، ولم تكن له شهرة كشهرة العظماء والادباء الذين قرأنا وسمعنا عنهم في عصره وفي العصور التالية، هذا الرجل لم يكن يشكو ولم يكف لسانه عن الحمد والشكر حتى في أحلك الظروف. قال ذات مرة لاصحابه: «ما شكوت إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي، ولا بناتي من مرض ألمّ بي، فالرجل هو الذي يدخل غمه إلى نفسه، ولا يغم عياله، وكان بي شقيقة (صداع نصفي) من خمس واربعين سنة، ولم أخبر احدا قط بذلك، ولي عشرون سنة أبصر بعين واحدة وما أخبرت أحدا بذلك» وكان حسن الظن بالله، ويروى ان رجلا جاء يشكوه ضيق الحال فقال له بما معناه ان الله لا يتخلى عن عباده الصابرين وحكى له عن واقعة حدثت معه فقال: ذات مرة مررت بما تمر به ولم يكن لدي ما أطعم به زوجتي وابنتي الصغيرتين، فطلبت من زوجتي أن أبيع بعض كتبي أو أرهن بعضها ورفضت، وقلت لها لنصبر بقية اليوم والليلة ونرى ما يكون، وكان لي دهليز في داري أعتكف فيه للقراءة والكتابة، فلما انتصف الليل سمعت طرقا على الباب، فقلت: من هذا؟ فرد صوت غريب: جار لك، قلت: ادخل، فقال: اطفئ السراج حتى ادخل.. فكببت على السراج شيئا. وقلت: ادخل. فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف، فلما أضأت القنديل وجدت منديلا فيه خمسمائة درهم وبعض الطعام، فدعوت زوجتي وطلبت منها أن توقظ الاطفال حتى يأكلوا. وفي اليوم التالي قضيت دينا علينا من تلك الدراهم، وجلست امام منزلي وإذا بجمّال يقود جملين عليهما رزق وفير، وقال لي: هذان من رجل في خراسان.. فقلت من هو؟ قال: استحلفني ألا أقول لك من هو.. وبعث له الخليفة المعتضد مرة عشرة آلاف درهم ليوزعها على الناس، فرد الرسول، وقال له: هذا مال لم أشغل نفسي بجمعه، ولا انشغل بتوزيعه.. قل لأمير المؤمنين أن يتركنا والا.. تحولنا من جواره.. ومرض في سنواته الاخيرة مرضا شديدا أشرف فيه على الموت، وذهب صديقه المقرب «أبو القاسم الختلي» لزيارته فقال له: أنا وابنتي على خلاف وتريد أن تشكوني إليك، ونادى ابنته فقالت بأسى: نحن في أمر عظيم يا عمي، فقد يمر الشهر وما نجد من الطعام الا كسرة خبز يابسة وملحا، وربما عدمنا الملح، وبالامس أرسل اليه الخليفة ألف دينار ولم يشأ ان يأخذها وارسلها إلى فلان وفلان ولم يأخذ منها شيئا وهو كما ترى عليل.. ولما انتهت من شكواها وقبل ان يتفوه الصديق بحرف، التفت اليها والدها وابتسم وسألها: «يا بنية هل أنت خائفة من الفقر؟ فردت بنعم.. فقال لها: انظري إلى تلك الزاوية، فنظرت حيث أكوام الكتب والمخطوطات، فقال لها: هناك اثنا عشر ألف جزء كتبتها بخط يدي، فإذا مت بيعي كل يوم جزءا بدرهم، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم لا يمكن أن يكون فقيرا».
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري