كتاب وأراء

لولا العزلة

إن كلمة «انطوائي» ليست مرادفاً لكلمة كسول أو غبي أو شخص كاره للبشرية، هل كان إسحق نيوتن سيأتي بأفكاره التي ستحدث طفرة في مجال الجاذبية لو كان يثرثر مع أصدقائه في مطعم بدلاً من أن يجلس ساكناً متأملاً أسفل شجرة التفاح، هل كنا سنتمكن من السفر والانتفال من نصف الكرة الأرضية إلى النصف الآخر- لو شئنا في غضون ساعات- لو لم يتفرغ الأخوان رايت لدراسة الميكانيكا منذ الصغر بدلاً من اللعب مع أقرانهما ومن ثم اختراع الطائرة، هل كنا سنلج عالم الكمبيوتر الشخصي الساحر لولا «وزنياك» الذي كان يكره اللغو وكانت اهتماماته منذ كان طفلاً لا تتوافق مع اهتمامات أقرانه.. لقد كان «والت ديزني» بالمناسبة شخصاً انطوائياً هو الآخر وبدونه ما كان الجميع صغاراً وكباراً سيستمتعون بأشهر مدينة ملاهٍ في العالم.. وعبر الكاتب التشيكي «كافكا» عن أهمية العزلة لمن يريد أن ينجز عملاً أو يبدع. برسالة بعثها لخطيبته التي يهيم بحبها قال فيها: «لقد ذكرت مرة أنك ترغبين في الجلوس بجانبي وأنا أكتب.. أسمعي.. في هذه الحالة لن أقوم بكتابة أي شيء على الإطلاق، لأن الكتابة تعني تعرية النفس إلى حد الشطط.. ذلك الوحي الذاتي والاستسلام إلى أقصى درجة، لذا عندما ينخرط المرء مع الآخرين يشعر بأنه يفقد نفسه وينكمش دائماً بعيداً عن وحيه مادام في كامل قواه العقلية.. ولهذا السبب لا يمكن للمرء مطلقاً أن يكون وحيداً عندما
يكتب.. لماذا لا يوجد أبداً هدوء كاٍف حول المرء عندما يعمل» وأياً كانت شخصيتك أو منصبك فضع نصب عينيك أن المظهر لا يعكس الحقيقة، فبعض الناس يتصنعون الانبساطية، لكن ذلك سيستنزف طاقتهم ومن ثم صدقهم وصحتهم، بينما قد يبدو آخرون متحفظين وهادئين ومتحكمين بأنفسهم ولكنهم مفعمون بالنشاط والأحداث في داخلهم ولديهم خيال خصب، لذلك حين ترى شخصاً له وجه هادئ وصوت خفيض فتذكر أنه أو أنها تقوم داخل عقلها بحل معادلة أو تأليف قصيدة أو مشغولة بفكرة قد تكون خلاقة، أي أنها تقوم بتعبئة قوى الهدوء.. وطبقاً للسيرة الذاتية لغاندي، فقد كان إنساناً خجولاً وهادئاً بالفطرة، وفي طفولته كان يخاف من كل شيء، اللصوص والأشباح والأفاعي والظلام، والغرباء على وجه الخصوص، ودفن نفسه بين طيات الكتب، وكان يتجنب الحديث مع أي شخص، وتم وضعه في خانة «الانعزاليين الذين لا يرجى منهم أية فائدة»، وأثبتت الأيام أن ميله للعزلة والتفكير أكسبه قوة متفردة لم يحظ بها الاجتماعيون المرحب بهم في كل مكان، وكتب هو في ما بعد: «لقد عودت نفسي على التحكم في أفكاري، ولم يخرج من لساني مطلقاً أو خط قلمي كلمة طائشة دون التفكير فيها أولاً، لقد علمتني الخبرة أن الصمت جزء من الانضباط الروحي للمدافعين عن الحقيقة، وهناك الكثير من الناس الذين يتحرقون شوقاً للكلام، وتضيق صدورهم عن التزام الصمت، ويعد ذلك إهداراً فادحاً للوقت، وكثيراً ما كان خجلي بمثابة درعي الواقية ومصدر حمايتي، لقد أعانني على النضج وساعدني في استبصار الحقيقة».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري