كتاب وأراء

المؤسسات الاكاديمية البناءة : متى نراها في عالمنا العربي؟

السؤال الذي نحاول الإجابة عليه في هذا المقال هو: ماهي السمات والخصائص أو حتى المظاهر التي يتمتع بها قطاع التعليم الجامعي في أميركا والتي جعلت الولايات المتحدة تتفوق عالميا على جميع الأصعدة (السياسية والاقتصادية والتكنولوجية وحتى الثقافية) كما شرحنا في مقال الأسبوع الماضي؟
أولا: انتشار الجامعات والمعاهد وكليات المجتمع والكليات التقنية في جميع الولايات والمدن الكبيرة والصغيرة في الولايات المتحدة.
على سبيل المثال في الولاية التي اعمل بها (أوهايو) هناك قرار تم اتخاذه في بدايات القرن الماضي بواسطة حاكم الولاية بأنه يجب أن تتوافر مؤسسات التعليم الجامعي لكل المواطنين القاطنين بالولاية على الا تبعد عن أي ساكن في دائرة قطرها أربعين ميلا. ثانيا: القطاع الجامعي في الولايات المتحدة يستقطب أفضل الكفاءات العلمية من أساتذة وعلماء وباحثين من جميع دول العالم. وبالطبع مزايا هذا الاستقطاب لا تعد ولا تحصى حيث تتجمع أفضل العقول البشرية الموجودة في العالم في هذا القطاع الان. ومن ثم ليس بالمستغرب بان يحصد هذا القطاع كل عام نصيب الأسد من «جوائز نوبل» في مختلف العلوم.
ثالثا: لا تتحمل الدولة وحدها عبء مساعدة القطاع الجامعي اقتصاديا (ماليا) واجتماعيا وانما يتحمل قطاع الاعمال بالإضافة للقطاع العائلي الكثير من هذه الاعباء. مساهمة قطاع الاعمال والقطاع العائلي الأميركي في إنشاء الجامعات والكليات المرموقة ولتي تحظى بالسمعة العالمية المحترمة ليس لها نظير في العالم. من اهم هذه الجامعات الاهلية أو الغير ربحية «هارفرد وستانفورد وبيل ودوك وكذلك بيركلي». هذه الجامعات الأهلية الغير ربحية المرموقة لم يتم انشائها فقط بل لقد أصبح لها أوقاف واستثمارات ضخمة تبرع بها القطاع العائلي مما جعل هذه الجامعات تتطور وتتقدم لتغدو من أهم مراكز البحث والتدريب والتدريس وإعداد قادة المستقبل الواعدين في الولايات المتحدة وحول العالم أجمع.
رابعا: المؤسسات التعليمية الجامعية في أميركا تقوم على معايير الاعتماد والتقويم الأكاديمي الجاد الذي يتجدد ويتغير بناء على أحدث الأبحاث التربوية العلمية. وقد ساهمت هذه المعايير ومؤسسات الاعتماد الأكاديمي الناشئة في رفع مستوى التنافس بين الجامعات والكليات من حيث سعى الجامعات إلى استقطاب أفضل الطلاب وكذلك استقطاب أفضل أعضاء هيئة التدريس حتى تحصل على اعترافات أكاديمية بموقعها ومكانتها العالمية بين بقية الجامعات. الذي يقوم بالتقييم عادة زملاء المهنة وهم الخبراء والذين قاموا بنفس الاعمال من قبل ويعلمون جيدا ما هو معنى التدريس الجيد وما هو معنى البحث الجيد ومن ثم لا يمكن ان يمنحوا الاعتماد الا لمن يستحقه. أخيرا من السمات الأساسية في قطاع التعليم الجامعي الأميركي انه قطاع يتميز بمناخ واسع من الحرية. حرية الفكر وحرية الدراسة وحرية البحث. الجامعات تتميز بالإدارة الجماعية في جو يعج بالحرية. لا فرق بين أستاذ ورئيس قسم أو عميد أو رئيس جامعه الا في المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقك كل منهم. الجامعية الأميركية ليست مؤسسة تراتبية ومن شروط الاعتماد الأكاديمي ان يدير أعضاء هيئة التدريس شؤون اقسامهم وكلياتهم بنسبة مائة في المائة.
هذا هو الفارق الأساسي بين الجامعات الأميركية والجامعات الأخرى وبخاصة جامعاتنا في العالم العربي. فبينما تقود الجامعات الأميركية المجتمع الأميركي نحو منتهى الحرية تأن جامعاتنا تحت وطأة النظم البيروقراطية وترضخ للنظم السياسية البالية وكأنها أصبحت مؤسسة عسكرية لدرجة أن البعض من المواطنين يعتقد ان عميد الكلية في بلادنا هو لقب عسكري وليس أكاديمي.

بقلم :د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي