كتاب وأراء

نيران البوعزيزي الفاضحة

قبل أيام قليلة مرت الذكرى السادسة لانطلاقة الشرارة التي أظهرت صور عالمنا العربي خصوصا والعامل عموما على حقيقتها، بلا تحسينات ولا فوتوشوب ولا ظلال تخفى عيوب هذه الصور، منذ ست سنوات أشعل بائع خضار تونسي التار بنفسه احتجاجا على سوء معاملة وصفعة تلقاها من شرطية تونسية، كانت الصفعة هي السبب المباشر لرد فعله الاستثنائي، فالصفعة التي توجهها امرأة لرجل في مجتمعاتنا الذكورية، حتى لو كانت المرأة في موقع مسؤولية كبير، لها العديد من الدلالات الرمزية والنفسية لدى الذكر ولدى الآخرين المشاهدين لهذه الفعلة، فالقوة والاعتزاز بها التي تميز الذكورة في مجتمعاتنا، حولتها الصفعة النسائية السلطوية إلى ذل لا يمكن لعامل فقير رده إلى صاحبه حتى لو كان امرأة، فالمرأة هنا صاحبة قوة لا تحد، وهنا يأتي السبب غير المباشر الذي جعل البوعزيزي يشعل النار في جسده، قهر الصفعة استدعى لديه قهر عمر بأكمله من الذل والفاقة والخوف والعجز النفسي عن الوقوف بقوة بوجه الفقر والعوز، وهو الرجل الذي يفترض انه مسؤول عن أسرته وعن تأمين حياة ومعيشة هذه الأسرة، الإحساس المرعب بالعجز أمام استعراض قسوة الحياة وظلمها استدعى رد فعل مقابل يحمل نفس حالة الاستعراض، لو انتحر انتحارا عاديا لما كان للأمر أي معنى، هو ببساطة أشعل النار بنفسه الحاملة لكل هذا القهر، أشعل النار بالقهر نفسه وبالظلم الذي يلحق به منذ ولادته، أشعل النار بكل ما تنتجه سلطات الاستبداد ضد شعوبها، هل كان البوعزيزي واعيا لما يفعل؟ يقينا أن الغضب الذي شعر به بعد الصفعة لم يترك له أي مجال للتفكير المنطقي، ويقينا أيضا أنه لم يكن يملك ترف التحليل النفسي لفعلته كما نفعل نحن في سوريا منذ ست سنوات، لكنه امتلك جرأة الاحتجاج التي كنا فقدناها جميعنا تقريبا، هذا الاحتجاج العنيف والمفاجئ والصادم كان له مفعول السحر على الشعوب العربية، انتشر كفيروس خطير بين الشعوب التي وضعتها نيران البوعزيزي المشتعلة في جسده أمام حقيقة عجزها وخنوعها للاستبداد من عقود، فتحركت بالتتابع كما لو أن ما يحدث هو قيامة لا حركات احتجاج، وأظهرت قوة كانت كامنة داخل هذه الشعوب ولم تكن حتى هي نفسها تدري بها، بيد أن نيران البوعزيزي لم تكشف البواطن الإيجابية فقط في الشعوب، بل كشفت كل ما عملت أنظمة الاستبداد على غرسه وتربيته ورعايته من تخلف وأمراض في نفوسنا نحن الشعوب العربية المبتلية بما لديها، أما الكشف الأكبر وربما الفضيحة، فهو للأنظمة الحاكمة بمؤسساتها كلها، والتي بينت إجرامها على حقيقته دون رتوش، كما بينت زيف الشعارات التي استخدمتها عبر عقود لتحسين صورتها محليا وعالميا.
بقلم : رشا عمران

رشا عمران