كتاب وأراء

صحافة تحتضر .. ليس فقط بسبب الإنترنت !

يشهد لبنان هذه الأيام ظاهرة ربما الأخطر من بين كل الأزمات التي عاشها أو مرت عليه. الصحافة التي شكلت العامود الفقري لمعنى لبنان أي الحرية والتعبير عنها كتابة وابداعا تحتضر. قبل ايام أقفلت جريدة «السفير» وهي واحدة من أهم الصحف اللبنانية، فيما تتخبط ا»النهار» الأقدم والأعرق في أزمة مالية وتحريرية حادة يبدو الخروج منها من شبه المستحيلات، وتسريح الزملاء بات كالجرح النازف... والحبل على الجرار!
هل هي فقط أزمة مالية أم هناك أسباب أخرى لا تقل أهمية؟ إلى الآن لا يزال هناك اثنتا عشرة صحيفة يومية تصدر في لبنان، واحدة منها باللغة الفرنسية وأخرى باللغة الإنجليزية، واثنتين منهما حزبيتين. ناهيك عن المجلات الأسبوعية والاصدارات والمطبوعات الشهرية والدورية المتخصصة. لماذا يصدرون وكيف يستمرون؟ سؤال وجيه، فهي طبعا صحف متواضعة بالنظر لأهمية صحفييها وكتابّها، ونظرا لحجم قرائها وشح اعلاناتها. ولكنها تسير بين النقاط، تلملم أطرافها مستعينة على أزمتها، تارة بتقليل عدد الصفحات وحجم الورق وأخرى بتسريحات مقنعة، حيث يبقى العاملون أشهرا، والبعض منهم سنة حتى، من دون ان يقبضوا رواتبهم! يقابل هذا الواقع مواقع الكترونية تفرخ كالفطر من هنا وهناك، منها السياسي والاخباري السريع ومنها المتخصص. وكلها تشكل بدون أدنى شك تحد قوي ومنافسة لا يستهان بها للصحف الورقية على مدار الساعة.
غير ان جزءا أساسيا من أزمة الصحف الورقية يكمن أولا في طبيعة هذه الصحف وبنيتها العائلية «البطريركية» التي نشأت ملكاَ لشخص وبقيت كذلك منذ عقود من الزمن؛ فمؤسسها هو صاحبها وهو رئيس تحريرها وهو المشرف الفعلي على ادراتها وماليتها وو... هكذا فعل غسان تويني في «النهار» العريقة (1933) وطلال سلمان في «السفير» المقدامة عند اطلاقها عام 1974، وكذلك ورثة سعيد فريحة في «الصياد» و»الأنوار» (1943) ومثلهم ملحم كرم في «الحوادث» و«البيرق» (أقفلت عام 2011).
لم يُمأسس أحد منهم جريدته على مدى نصف قرن وأكثر؛ نقلوها من إدارة أبوية إلى عائلية، ولكنهم لم يجعلوا منها مؤسسة حديثة بكل معنى الكلمة، شركة مساهمة يديرها مجلس إدارة ومساهمون، وهيئة تحرير مستقلة عن مجلس الإدارة وأصحاب أو مالكو الصحيفة. وظلت هذه الصحف مرتبطة بالشخص-الفرد وخاضعة لارادته وتوجهاته ورغباته، وبالتالي لعلاقاته وحساباته السياسية والخاصة. ومع كل ما مرّ من حروب وأزمات وظروف اقتصادية صعبة انفتح الباب مع الوقت أمام التمويل السياسي، الذي يقدم الدعم لصاحب الجريدة «المحتاج» لقاء تنازلات أو مهادنات في الخط التحريري للجريدة، ويجعلها أسيرة هذا الزعيم أو ذاك، أو هذا المتمول أو ذلك، أو هذه «الحنفية» أو تلك. ناهيك عن تأثيرات هذا الارتهان على المستوى المهني للصحيفة، وانعكاسه في عدم رغبة الصحفيين والعاملين في تحقيق أي سبق صحفي أو التدقيق في أي معلومة أو اغناء صفحات الجريدة.
واليوم، عندما لا يعود هذا الزعيم المحلي أو ذاك المتمول الخارجي قادرا (أو لا يريد؟) على تلبية حاجات الصحيفة، التي يحاصرها الاعلام الرقمي والفضائي من جهة والاصطفافات السياسية التي تؤدي بطبيعة الحال إلى تدن في المستوى المهني من جهة أخرى، فماذا عسى صاحب الجريدة ان يفعل؟
والانكى من ذلك ان الطبقة السياسية تقف متفرجة امام هذا المنزلق الخطير الذي تنحدر اليه الصحافة اللبنانية، بعدما استتبعتها ودجنتها ظناً منها ان البديل هو خنق الحريات وفرض «نظام الجريدة الواحدة» على غرار «نظام الحزب الواحد»، كما كتب الروائي الياس خوري قبل ايام. ولكن، حذار لبنان والصحافة-الحرية صنوان!
بقلم سعد كيوان

سعد كيوان