كتاب وأراء

تجريم الاختلاف

من الأمور اللافتة اليوم أن البعض الكثير يعتبر الآخر الذي اختلف معه واتخذ منه موقفا لسبب أو لآخر، «لا شيء» على الإطلاق، فهو يلغيه ويعتبره وكأنه غير موجود، أو يعتبره موجودا ولكن لا قيمة له، ويعتبر كل ما يقوله وكل ما يفعله غلط، وهذا أمر غير مقبول، حيث الاختلاف مع الآخر لا يعني أنه صار خارج إطار الحياة أو ينبغي أن يصير كذلك.
أن تختلف مع الآخر فهذا حقك، ولكن ليس من حقك أن تلغيه، بل لا يمكنك أن تلغيه لأنه في كل الأحوال سيظل رقما مثلما أنت رقم، وسيظل يقول ويفعل مثلما تقول أنت وتفعل. الآخر مكمل لك مهما اختلفت معه وأيا كان بعد المسافة بين رأيك ورأيه، وهو بالتأكيد سيكون مختلفا عنك مثلما أنت مختلف عنه، والغالب أنك تنظر إلى أي موضوع من زاوية مختلفة عن الزاوية أو الزوايا التي ينظر منها الآخرون إلى الموضوع نفسه.
لتأكيد أن الاختلاف لا يفسد الود مع الآخر، أو بالأحرى ينبغي ألا يفسد الود معه، يؤتى بصورة تتضمن الرقم 6 أو 9 بالإنجليزي وشخصين يقفان في جهتين متعاكستين من الرقم، فيتبين أن أحدهما يقرأه 6 بينما الآخر يراه 9، رغم أن الرقم هو هو لم يتغير، ما تغير فقط هو الزاوية التي ينظر منها الفرد إلى الموضوع. لهذا لا يعقل أن يقوم أحدهما بإلغاء الآخر لأنه يقرأ الرقم كما يراه وليس كما يريد منه أن يقرأه.
الله سبحانه وتعالى خلق الناس مختلفين في كل شيء، ولو شاء لخلقهم متماثلين. حتى أصابع اليد الواحدة ليس بينها اثنان متشابهان وهذا يعني أن الاختلاف هو الطبيعي وليس التماثل. لا يمكن أبدا أن يكون الآخرون على مقاسنا، ولا يمكن أن يكونوا كما نريدهم نحن، تماما مثلما أننا لا يمكن أن نكون كما يريدنا الآخرون أن نكون.
علماء الدين يقولون إن الاختلاف رحمة، والدين لا يمكن أن يكون دينا لو كانت كل أحكامه صارمة وخلا من هامش يتيح لأتباعه التحرك للتعامل مع الحياة، فالصرامة في الدين تعني منطقا أن كل من لا يلتزم بأمر من أموره يعتبر كافرا ويدخل النار، وهذا لا يستقيم مع الحياة ولا مع الغاية من الدين.
اختلاف الآخر معك لا يعني أنه بات يستحق الموت والفناء، ولا يعني أنك تستحق المصير نفسه لأن رأيك مختلف عن رأيه. تأكيدا على أن هذا خطأ لعل من المناسب الاستشهاد بقصة مشهد غريب قيل إنه حدث في إحدى دول الغرب وملخصه أن صديقين أحدهما اشتكى على الآخر في المحكمة وقدما إلى المحكمة يوم صدور الحكم في سيارة واحدة وغادراها معا رغم أن الحكم كان في صالح واحد منهما أي أن الآخر خرج خاسرا، وعندما سئلا قالا ببساطة إنهما اختلفا في أمر واحد فقط.

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن