كتاب وأراء

فكر القطيع

أنا ممتنة لتلك الاوقات التي جلست فيها مع معلمة ابنتي وهي تخبرني في كل مرة بالشكل الأكثر تلطفا عن ضرورة عرض ابنتي على طبيب نفسي في أسرع وقت ممكن وقبل ان يتفاقم الأمر على حد قولها، وهذا ليس رأيها وحدها وإنما رأي مجموعة من هيئة التدريس من ضمنهن المشرفة الاجتماعية، وقد توصلن لهذا القرار بعد رفض ابنتي الاندماج مع زميلاتها في الفصل، الا في أقل الحدود، فلم تكن تشارك في الانشطة الرياضية، وتفضل تناول إفطارها في ركن منعزل بصحبة كتاب على اللعب أو الثرثرة أثناء الاستراحة بين الفصول، الخلاصة أنها «انطوائية» وبحاجة ماسة لعلاج فوري! لا أنكر أنني تأثرت وشعرت بالقلق في بداية تلك اللقاءات، تحدثت مع ابنتي حديثا مطولا مرة، وراقبت سلوكها في المنزل مرة اخرى، وبدت لي طبيعية تماما.. تميل إلى البقاء وحدها في أحيان كثيرة لتنجز فرضا دراسيا أو لتقرأ. ولكن.. ما الشيء الغريب إذن إلى هذا الحد في اختيارها العزلة؟ لم تكن ابنتي عدوانية أو مشاغبة وكانت تحصل على أعلى الدرجات في الفصل وفي كل المواد، ما المطلوب أكثر.. ثم.. اتخذت قرارا بنقلها إلى مدرسة أخرى أقل شهرة من الأولى ودون أن أستشير أحدا.. بعد سنوات وحين أنهت ابنتي دراستها الثانوية بتفوق شكرتني على هذا القرار، وقالت بما معناه ان استدعاءها كل فترة لمقابلة المشرفة أو نائبة المدير كان يشعرها بأنها تعاني من خلل ما.. ولم تكن تعرف أين الخلل، وكان هذا يربكها أكثر وأكثر.. حقا لماذا نعتقد ان الشخص الكثير الحركة والمتحدث يفوق الهادئ ذكاءً؟ لقد أسفرت الدراسات الحديثة عن أن اداء الموظفين الذين يعملون في مكاتب ذات تصميم مفتوح منخفض للغاية، كما أنهم معرضون لتدهور الذاكرة مع الوقت، فضلا عن تحولهم على المدى الطويل لاشخاض عدائيين، يغلب على تصرفهم العنف والشك وعدم الأمان، والعاملون في مكاتب مفتوحة أكثر عرضة لارتفاع ضغط الدم ومستويات الاجهاد العصبي والاصابة بالإنفلونزا، فهم ميالون للجدل أكثر من غيرهم، ويقلقون من قيام زملائهم باستراق السمع والتنصت على مكالماتهم الهاتفية واختلاس النظر لشاشات اجهزتهم، كما انهم يجرون عدداً أقل من الاحاديث الشخصية والخصوصية مع من حولهم، ويبدو أن العديد ممن يطلق عليهم صفة الانطوائية يعرفون هذه الأشياء بشكل فطري، ويقامون قيادتهم ضمن القطيع.. ولم يشذ «اينشتاين» عن حقيقة لا يعترف بها الكثيرون حين قال: «أنا حصان لي سرج واحد فحسب..لا أصلح لجر عربة يقودها جوادان أو للعمل الجماعي..لأني أعرف جيدا أنه من اجل الوصول لأي هدف محدد يجب أن يتولى شخص واحد عملية التفكير والقيادة».

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري