كتاب وأراء

فاجعة الموت للآباء

منذ أيام مضت وأنا أشعر بأن الضوء بدأ يخفت، وأنني دون إدراك مني أغدو تجاه العتمة والكآبة، أشتم رائحة الموت، أفكر به أكثر من اللازم، وكنت أستعيذ بالله من أفكاري، فأنا لم أخرج بعد من ألم فراقي لوالدي يرحمه الله، وأشعر كأي بني آدم على وجه هذه البسيطة، أنني ضعيفة جداً أمام فقدان الجميلين في حياتي، وكنت أدور حينها كالمجنونة في غرفتي وأفتح الشبابيك، وأتطلع إلى القمر وأناجيه، ودموعي تملأ وجهي وكأنني أعيش في منفى، قاومت هذه المشاعر المنفطرة فصليت ومارست التأمل لساعتين، كي أخرج من هذه العتمة، من المشاعر التائهة، كانت هناك قطيعة طويلة الأجل بيني وبين الموت، حتى جاء زائراً قعر بيتي، تساقطت الأرواح لتذهب إلى بارئها، وكنت أهدهد قلبي وأحاول أن أبقيه قوياً كما عهدته، وأن لا شيء سيبقى في هذا الكون على حاله «كل من عليها فانٍ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».
عشت أياماً بغيضة من التشرد العاطفي والفكري، أياما من الخوف والغبن والذعر، حتى استيقظت قبل ثلاثة أيام على خبر وفاة ابن الصديق العزيز محمد عابس، رحل ابن الصديق الشاب إلى خالقه، وقد خنقتني الدموع والكلمات التي دونها الشاعر في يوم رحيل ابنه، وهو ينعي فقدانه لابنه عبر حسابه الرسمي في «تويتر»، قائلاً «وداعاً حبيبي مشعل، إلى جنات النعيم، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا مشعل لمحزونون، إنا لله وإنا إليه راجعون».
لقد استعار الشاعر محمد عابس كلمات النبي محمد عليه الصلاة والسلام، حينما ودع ابنه إبراهيم إلى مثواه الأخير، فشعرت بأن هذه الكلمات التي دونها قد هدأت من هول صدمته لفقدانه ابنه الشاب الصغير.
وكنت قد كتبت في كتابي الأول «قبيلة تدعى سارة»، إن أقسى ألم يمكنه أن يصافحك في حياتك، حينما تلتقي بأب أو أم وقد فقد واحد منهما أحداً من أبنائهما، لا يمكن لأحد أن يتخيل مدى الشعور المُر الذي يمكنه أن يخلفه مثل هذا الألم، فقدان الأبناء أمر يصعب تحمله لأي من الوالدين، فكل واحد منهما يتمنى أن يكون هو بديلاً عن ابنته أو ابنه الذي رحل، فالدموع لا تكفي، والشعور القاسي لا يمضي ولا يتغير، ويبقى الحزن لصيقاً أبدياً في قلوب الوالدين أمد الدهر.
أنني لا أنسى مطلقاً دموع والدي حينما يمرض أحد منا، كما وأننا كنا نضحك ونحن صغار على دموعه التي تنهمر لا شعورياً، حينما يشاهد مسلسلاً تليفزيونياً، ويقف عند مشهد لأب يودع أبناءه في سفرهم، فقد كان يتذكر إخوتي الذين كانوا يدرسون في الخارج، لم نكن لنصدق أن والدي كان يحمل قلباً لا يمكن العراك معه إلا بالحب، فكنا نسأله ببراءة «والدي لماذا تبكي؟»، وكان يمسح دموعه ولا يجيب على أسئلتنا، كنا صغاراً ولم نكن نعي معنى قيمة الأبناء للآباء والأمهات!
وقلبي مع الشاعر محمد عابس، ولكل أم وأب فقدوا أبناءهم مبكراً.
بقلم : سارة مطر

سارة مطر