كتاب وأراء

المعجم الذي نحتاجه «3»

من الكلمات «الدارجة» في أحاديث المتعلمين كلمة «الدراجة الهوائية» وهي ترجمة موفقة جداً لكلمة BICYCLE الإنجليزية وكلمة BICYCLETTE الفرنسية، وما زال الناس في سوريا يسمونها «بِسكليت» ويسميها الخليجيون «سيكل» وواضح أنها تحريف لكلمة BICYCLE أو لكلمة CYCLE لكن كلمة «الدراجة» ليست سائدة على ألسنة العامة. والدراجة: العَجَلَةُ التي يَدِبُّ الشيخ والصبي عليها، وتسمى أيضاً «الدبابة» التي تُسَوَّى لحرب الحِصارِ يدخل تحتها الرجال، وبالمناسبة يختلف العامة العرب في تسمية السلم الحجري الذي نستعمله في بيوتنا، ولكنه في العربية «درج» ودَرَجُ البناء مَراتبُ بعضها فوق بعض. نستنتج أن تسمية المصريين للدراجة «عجلة» ليست خطأ، بل هي من العربية الفصحى، لكن الخلاف يقع في ترجمة كلمة WHL الإنجليزية وتختلف عن كلمة TIRE فهذه تعني الإطار، ولذلك حافظ الخليجيون على الكلمة الإنجليزية وحرفوها. تترجم WHL (وتقابلها الفرنسية ROUE ) في مصر بكلمة «عجلة» بينما يترجمها السوريون إلى «دولاب» والحقيقة أن كليهما على صواب، إذ نجد في المعجم: العَجَلة: الدّولاب، وقيل المَحَالة، وهذه هي القطعة الدائرية المجوفة الإطار التي يسير الحبل فيها، ويستعمل العامة في سوريا الكلمة نفسها مع تشديد الحاء، بينما يستعمل المصريون هذه الكلمة للدلالة على ما يسميه العرب الآخرون «الخزانة» (وتلفظ لِخْزانة)، وواضح أن الكلمة أفضل لترجمة CLOSET أو CUPBOARD، وعلى ذكر العجلة نذكر مصطلحاً شائعاً جداً هو «العُجالة»: ولا نستطيع إيفاء الموضوع حقه من الدراسة والشرح في هذه العجالة، والطريف أن العجالة: أن يعجل الراعي بلبن إبله إذا صدرت عن الماء، أو هي لبن يحمله الراعي من المرعى إلى أَصحاب الغنم قبل أَن تروح عليهم.
نقرأ في التحقيقات الجنائية «وقامت الشرطة برفع البصمات من مكان الحادث» ونعرف أن لكل شخص في الدولة «بصماته» المحفوظة، وعندما تحتاج إلى ورقة رسمية من بعض الجهات يجب أن يعرفوا البصمة، بل استعاروها لأمور أخرى فقالوا: «وترك بصمته (أو بصماته) على المسرح أو الشعر أو القصة أو الرواية. والبصمة بالمناسبة دليل قاطع في التحقيقات، إذ لكل إنسان بصمته التي لا تشبهها أي بصمة أخرى، ثم قالوا «بصمة العين والصوت».
«البصمة» ترجمة للكلمة الإنجليزية FINGERPRINT أو الفرنسية EMPREINTE وهي ترجمة موفقة، أفضل من الترجمة الحرفية «أثر الإصبع» ولكن ما أصل البصمة؟
البُصم هو المسافة من طرف الخِنصر إلى طرف البنصر، وبالمناسبة قال العرب: ما فارقتك شِبراً ولا فِتراً ولا عَتـَباً ولا رَتـَباً ولا بُصماً، فالشبر ما بين الإبهام والخِنصِر، والفتر ما بين السَّبابة والإبْهام، والرتب ما بين الخنصر والبنصر، وكذلك بين البنصر والوسطى، والعتب ما بين السبابة والوسطى، وفي المعجم الجديد الذي ندعو إليه لا حاجة إلى هذه الشروح كلها.
تصدر مؤسسات الأرصاد الجوية أحياناً تحذيرات من عواصف رعدية، ولا أدري لماذا لا يقولون عواصف برقية، فلا رعد دون برق، والبرق سابق، واستعمال هذه الكلمة «العواصف» صحيح وغير صحيح، كيف؟ العواصف جمع عاصفة، وهي صفة للريح، فنقول: ريح عاصِف وعاصِفةٌ، وعَصفت الريحُ تعصِف عَصْفاً، وريح عاصف: شديدة الهُبوب، هي إذن صفة للريح، وقد يقول قائل: ولكننا نقول يوم عاصف كما نقول يوم ماطر، قال تعالى في سورة إبراهيم «أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف» فجعل العُصوف تابعاً لليوم في إعرابه، وإنما العُصوف للرياح، فأراد في يوم عاصِف الريحِ فتحذف الريح لأَنها قد ذكرت من قبل.
بقي أن لكلمات «العصْف والعصيفة وعصف واعتصف» معاني أخرى لا أحد يذكرها إلا عند قراءة القرآن كقوله تعالى في سورة الرحمن «والحَبُّ ذو العصف والريحان» وفي المعجم الذي نحتاجه نقتصر على ذكر الريح، أما من شاء التوسع فلديه المعاجم القديمة وكتب التفسير.
وبمناسبة ذكر «الأرصاد الجوية» نتساءل: هل الكلمة صحيحة في موقعها؟ رصده يرصده: يرقبه، والرصَد: القوم يرصدون كالحرس، وربما قالوا «أرصاد» فالكلمة في الأصل تعني المراقبين ولا تعني الفعل، والمرصَد والمِرصاد الطريق، قال الله عز وجل: واقعدوا لهم كلَّ مَرصد، وقال تعالى «إِنَّ ربك لبالمرصاد» والمَرصَد: مثل المِرصاد، وجمعه المراصد، وقيل: المرصاد المكان الذي يُرْصَدُ فيه العدوّ.
لكلمة «الفرْض» معان عدة في المعجم العربي، فهو التوقيت كما في شرح القرآن الكريم، وهو الواجب الذي يجب الالتزام به، والصلوات مفروضة ونافلة، فالمفروضة خمس صلوات فيهن سبع عشرة ركعة، ولا يعني هذا التقليل من السنة، ولكن من ترك السنة لا يأثم، والفرض هو الحز في العود أو السهم أو المسواك، وهو القراءة فيقال: فرضت جزئي أي قرأته، والفرْض هو الجنود يفترضون أي يأخذون عطاياهم، وهنا نصل إلى الكلمة المشتقة من هذا الجذر «افترض» ورأينا قبل قليل أن الفعل يعني أخذ عطيته.
كثيراً ما يقول أحدهم: افترض أني فعلت كذا، ويقول العامة: إفرض مثلاً (أظن أنه عنوان أغنية) والأكثر أن نقرأ في مجال العلوم الإنسانية والتطبيقية فعل «افترض» أي وضع فرضية، وفي العلوم ثلاث مراحل: الفرضية، ثم التجربة للتحقق من الفرضية، ثم استخلاص النتيجة كقانون. في المعجم الذي ندعو إليه لا حاجة إلى جميع الشروح المتعلقة السابقة ما عدا الفرائض والفروض لأنها من صميم الدين، ولسنا بحاجة إلى أن الفعل يعني أخذ عطيته، بل نحن بحاجة إلى:افترض بمعنى وضع فرضية (وهذه ليست موجودة قديماً) قابلة للنقاش والتجريب.
لا يحوي المعجم الذي نحتاجه من معاني الكلمات إلا ما يرد كثيراً في كتاباتنـا وأحاديثنا اليومية، أما المعاني الأخرى فنتركها في المعاجم القديمة لدارسي الأدب وقراء الكتب القديمة. لدينا مثلاً فعل «خرَق» ومصدره «خرْق» ماذا نشتق من هذا الفعل في الحياة اليومية واللغة السائدة، ويجب أن تكون فصيحة طبعاً. لدينا فعل «اخترق اختراقاً» كما عندما نسمع أو نقرأ «اختراق أمني» وعلى المجاز نقرأ «لم يحقق أي اختراق في المباحثات» أي لم يستطع النفاذ من السدود التي تقف في وجه الحل. ولدينا «الخِرقة» وهي القطعة من القماش أو «المِزقة» ولدينا «أخرق وخرقاء» والأخرق لا تعني الأحمق بل الجاهل بما يجب أن يعمله، وكذلك الخرقاء. بعد هذا، قلنا إن الخرْق مثل الثقب أو الشق، فماذا يهمنا من أن الخرق الأرض البعيدة؟ وأن الخرِق والمِخراق هو الفتى الظريف في سماحة ونجدة أو أن الخرِق هو الكريم؟ ومعنى آخر للمِخراق أنه المنديل، وهو أيضاً الرجل الطويل الجسم، وقلنا إننا نورد فعل اخترق ومصدره اختراق، فهل يهمنا أن اختراق الريح مرورها، والخرقاء امرأة غير صَناع أو هي الجاهلة، فهل يهمنا أن الخرقاء هي الريح الشديدة؟ وأن الخرَق هو الدهَش؟ ونقول: خرقه فانخرق، وهو مطاوع خرق، فهل يهمنا أن نقول: انخرقت الريح إذا هبت بغير استقامة؟ وقلنا الخرقة وهي المزقة من الثياب (يستعملها العامة بالمعنى نفسه) فهل يهمنا أن نعلم أن الخرقة هي القطعة من الجراد؟ بالإضافة إلى اشتقاقات أخرى كثيرة لا يتسع المجال لها.
بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين