كتاب وأراء

السودان وهدية أوباما

- 1 -
قبل ما يُقارب الخمسة عشر عاماً، كتب دبلوماسيٌّ سودانيٌّ رفيع، وهو الدكتور بهاء الدين حنفي، مقالاً عن العلاقات الأميركية- السودانية قال فيه: (يبدو أن صمت السودان على سياسة العصا المُستدامة منذ البداية، جعل أميركا تتمادى في الضغط عليه.. فالصمت في التعامل مع القوة العظمى رضا في كل المذاهب). رؤية بهاء النقدية كانت قائمةً على أن الحكومة السودانية ظلَّتْ تتعامل مع الولايات المتحدة الأميركية بعيداً عن فقه التعاطي.
وفقهُ التعاطي في تعريف الدبلوماسي بهاء حنفي، يقوم على التنازلات المُتبادلة، وفق خريطة طريق تُحدِّدُ على وجه الدقة، ما لأطراف التفاوض من حقوق، وما عليها من واجبات، على طريقة (هات وخذ).
- 2 -
بتطبيق هذه القاعدة التبادلية، رأى بهاء أن الحكومة السودانية أعطت الكثير ولم تجد إلا القليل من المُفاوض الأميركي.
كثيرون غير حنفي كانوا يرون أن الحكومة السودانية عجزت عن استخدام الأوراق التي في يدها، لتحقيق مكاسب مثل ما فعلت مجموعة من الدول مثل كوبا وإيران.
بعد مدى زمني ليس بالقصير، استفادت الحكومة السودانية من نصيحة دكتور بهاء حنفي، بإعمال فقه التعاطي، أي بأن تمنح الولايات المتحدة الأميركية بقدر ما تُعطي.
- 3 -
صباح الجمعة الماضي، بتوقيت واشنطن، أعلن الرئيس باراك أوباما، على أعتاب خروجه من البيت الأبيض، رفعاً جزئياً للعقوبات الأميركية عن السودان، وفقاً لخريطةِ طريقٍ حَدَّدَتْ ما على السودان فعله، في مُقابل ما على أميركا تقديمه.
وفي رسالة إلى الكونغرس نشرها البيت الأبيض، أشار أوباما إلى «تراجع ملحوظ في الأنشطة العسكرية بالسودان، تُوِّجَ بتعهد بالإبقاء على إيقاف القتال»، وإلى جهود لتحسين عمل المنظمات الإنسانية في البلاد.
كما أشار إلى تعاون الخرطوم مع واشنطن في «التعامل مع النزاعات الإقليمية والتهديد الإرهابي».
القرار مُتعلِّقٌ بإلغاء الأوامر التنفيذية العقابية السابقة، التي صدرت في عهدَي بيل كلينتون وجورج دبليو بوش تجاه الخرطوم.
قرار أوباما مُتعلِّق بحِزَمِ العقوبات التجارية والاقتصادية، فيما عدا العقوبات المفروضة على أفراد مُحدَّدين وتلك المفروضة بموجب وضعية السودان في لائحة الإرهاب وهي ذات طبيعة عسكرية.
-4-
المُفاوضات السريَّة والعلنيَّة بين الخرطوم وواشنطن، أثمرت قبل هذا القرار الأخير، تقدماً ملحوظاً في درجة الإعفاءات، حيث اُتُّخِذَ قرارٌ برفع إعفاء التقانة والبرمجيَّات والآلات الزراعيَّة، ثم جاءت الأدوية والمُعدَّات الطبيَّة، بعد ذلك التعليم العالي.
وأخيراً حدث انفراجٌ نسبيٌّ في ملفِّ التَّحويلات البنكيَّة. حيث أُعلن قبل أشهر في بيان ختامي عقب جولة تفاوض، أن المُعاملات التي تتمُّ عبر بنوك أميركيَّة، وفيها شراء سلع أو دولار، سيُسمح بها إن كان لها بُعْدٌ إنسانيٌّ. أما البنوك غير الأميركية، فيُسمح لها بالسلع والدولار دون حظر.
-5-
من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركيَّة في هذه المرحلة، حريصةٌ على إنهاء بؤر الحرب والنزاع المُتعدِّدة في السودان، وإغلاق الباب أمام أيِّ مسعىً لخلق حالة اضطراب تؤدي إلى الفوضى وانهيار الدولة في هذا الوطن، ذي التأثير البالغ على الأوضاع في المنطقة العربيَّة والإفريقيَّة.
صارت الآن مشاريع مكافحة الإرهاب، ومنع تدفقات المهاجرين إلى الدول الغربيَّة، مُقدَّمةً على أيِّ قضايا أخرى لدى القوى الدوليَّة في مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.
قرارات الرئيس أوباما برفع العقوبات التنفيذية، سيكون لها أثرٌ كبيرٌ على الجوانب السياسية والاقتصادية في السودان.
-أخيراً-
بغضِّ النظر عن الحسابات التفصيلية المُباشرة، أهمُّ ما حدث في علاقة الخرطوم بواشنطن في الفترة الأخيرة، هو تغيير المسار من تصعيد العقوبات والتمسُّك بها، إلى رفعها وتفهُّم ما ألحقت من مضار بالمواطنين وليس بالحاكمين، وفتح صفحة جديدة في دفتر العلاقات بين البلدين.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال