كتاب وأراء

سيدة الأمنيات الأولى

أذكرها في قائمة الطلبات التي كنت أجدها في حقيبة يدها أو في «تابلو» سيارتها والتي لا تسامح نفسها حينما تنسى طلب أحدهم.
أتذكر اختلاقها لنيات الناس الحسنة وبحثها عن أي بريق أمل في إمكانية إضفاء لمسة خير على أفعالهم.
أذكرها وهي تعتصر نفسها سعياً لقضاء أي مُلحة لأي إنسان بصرف النظر عن ملته أو درجة القرابة.
أذكرها عندما علمت بعد عام كامل أنها دفعت عني مبلغا ضخما ولم تخبرني به.
أذكرها وهي تبحث عن الفرص للناس: عمل، سفر، زواج، بيعة رابحة، وتغتاظ لضياعها أكثر منهم.
أذكرها وهي تسامح حتى من لم يطلب السماح.
أذكرها وهي تعطي مدعية أن الآخرين هم من منحوا.
أذكرها وهي لا تنظر لحاجة الإنسان بحجمها، لكن بمدى احتياجه لها، فهي تحقق أمنيات وأحلام الآخرين، لا مطالب فحسب.
اذكر أنها لم تكن يوماً إمعة، فلا تود من يودها وتقاطع من يجافيها، إنما تجامل خلق الله.
أذكرها وقفتها بالمطبخ تطهو طعاماً سينقل بالطائرة، لأن هناك من قرر إقامة مأدبة ويرى أنها أبرع من أكابر الطهاة.
أذكرها حينما كانت تبحث لابن خالتي عن أدوات هواية الرسم على الزجاج، لأنه شاب صغير يشعر بالملل، فلابد من البحث له عن هواية.
أذكرها وأنا ألمس أن كل ما وضع على عاتقها لم يمنعها من الاهتمام بقضايا الإسلام، فلطالما قاطعت وتظاهرت وكتبت وجمعت وتبرعت.
أذكرها وهي لم تبدأ في تحقيق حلم حياتها في إنشاء حضانة إلا بعد زواج الأبناء، ولن أنسى أنها تنازلت عن حلم العمر «الحضانة» لتُشغِل أختها في عملٍ يلهيها عن أزمة مرت بها، فتترك لها إدارة الحضانة لزرع الثقة في نفسها بأنها قادرة على النجاح في الحياة.
تذكرتها وهي تصالح بين الناس، أزواج، إخوان، وأقارب، في أوقات تتراوح بين العاشرة والثالثة فجراً، وجل همها أن النفوس تصفى «وكله من الشيطان، وكان كلام زعل، وأنتم فاهمين الموضوع غلط، دي الحياة قصيرة يا أولاد، خلينا نغلب الشيطان».
هذه زوجها يخونها، تُهديها وتُكلمه.
هذا قرر الطلاق، تقف لتحصيل المؤخر وتبعاته.
هذا أراد العودة، فتجتهد للم الشمل، والموضوع كان نزوة وعدت!
هؤلاء قلقون من زوج ابنتهم، فتلعب دور كولومبو وتتقصى عنه!
هذا محتاج فرصة عمل، فتوزع سيرته الذاتية على المعارف.
هذا يشكو من ألم في سمعه، فتبحث عن أفضل الأطباء وتحجز ثم تعاود الذهاب للمصاحبة ثم تشتري الدواء.
هذا لا وقت لديه لتوصيل أبنائه للتمرين، فتقوم بدور السائق وتوصل الأشبال.
هذا يريد أن يتشرف بها وهو يخطب لابنه، فتذهب وتجامل.
هذه نسيت المفتاح داخل السيارة، فتقوم بنجدتها.
هؤلاء غضوب لأن اسم أحدهم سقط سهواً في النعي، فتنشر استلحاقا وتسافر لتصالح ومعها وصل الاستلحاق!
هذا يريد فتوى معينة، فتبحث له عن هواتف الأزهر.
هذه تريد الحج ولا تطمئن على ترك مهجة قلبها إلا في أيدٍ أمينة لمدة شهر، فترحب.
هؤلاء أقارب الأقاليم يريدون ترك أبنائهم لديها لسنوات للدراسة في الجامعة، فترحب.
ثم أنها «مخلصاتية»، كونها متخصصة في مشاوير استخراج الرخص ودفع الغرامات والمخالفات وتجديد البطاقات وجوازات السفر وحجز المطاعم وغرف الفنادق أو تذاكر الطيران وطبع الأوراق واستلام الصور والبحث عن مدارس وشراء الطلبات وإرجاع أو استبدال المشتريات ودفع الصدقات عن البعض والبحث عن كتب أو مطبوعات نادرة وتسوية الضرائب وتخليص مشاكل التأمينات ومكاتب العمل!
هذه متأزمة، وهذا يشتكي عقوق أبنائه وآخر غدر صديقه وهذا متوتر من معاملة رئيسه وهذا يريد واسطة لنقله من فرع الجامعة في الأقاليم إلى العاصمة وهؤلاء حانقون من تقلبات الزمن والغلاء وهؤلاء أوشكوا للجوء للمشعوذين، والجميع يطالبونها بالدعاء، فتهدئ وتحتوي.
إنها أمي، سيدة الأمنيات الأولى.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي