كتاب وأراء

هجوم القدس المباغت .. صفعة قوية لجيش الاحتلال

بعد فترة قصيرة من توقف هجمات شبان الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، اعتقدت سلطات الاحتلال الصهيوني أن الانتفاضة قد خمدت، وأن الإجراءات الأمنية المشددة، وحملات القمع والاعتقال والحصار لأحياء القدس العربية، قد حققت أهدافها، وأن الأمن داخل الكيان قد استتب.
غير أنه، وكما العمليات السابقة، فاجأ شاب فلسطيني قادة العدو، وجيش الاحتلال وأجهزة الأمن الإسرائيلية بتنفيذ هجوم فدائي في العمق الأمني للكيان الصهيوني، زلزل أمن الاحتلال ووجه ضربة موجعة قاسية لجيشه عندما تمكن من أن يدهس بشاحنته مجموعة من الضباط والجنود الصهاينة في قلب مدينة القدس المحتلة وفي وضح النهار موقعا 4 قتلى و15 جريحا في صفوفهم.
وإذا كانت العملية شكلت مفاجأة لجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، إلاّ أن المراقب لمسار الانتفاضة يلحظ بأن العملية جاءت في سياق الهجمات النوعية التي بدأ شبان الانتفاضة بشنها ضد الجنود والمستوطنين الصهاينة، والتي أدت إلى إحداث نقلة مهمة في أداء الانتفاضة المتواصلة منذ أكثر من سنة.
لكن ما هي المميزات التي اتسمت بها العملية الجديدة، وما هي النتائج التي أسفرت عنها، واستطراداً ما هي الرسائل التي وجهتها في أكثر من اتجاه؟.
أولا: على صعيد المميزات، تميزت العملية في كونها أثبتت مجدداً بان الانتفاضة غير مسيطر عليها وأن الشبان الذين ينفذون العمليات الفدائية إنما يقومون بذلك بسرية شديدة، وأن أجهزة الأمن الصهيونية لا تملك أي معلومات عن حركتهم ولا أي إنذار مسبق عما يعتزمون القيام به من هجمات، وهذا الأمر عزز الاعتقاد بوجود تنظيم جديد سري بني بعيداً عن رقابة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، لاسيما وأن هذا التنظيم تأسيس في المناطق التي تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة ولا وجود فيها للسلطة، وأن هذا التنظيم السري هو الذي يقف وراء الانتفاضة الجديدة وعملياتها المستمرة وإن بشكل متقطع، أخذاً بالاعتبار أن نشاطه يتم تحت الاحتلال، وفي هذا السياق يمكن إدراج إعلان مجموعات الشهيد بهاء عليان مسؤوليتها عن الهجوم، وهي جهة غير معروفة سابقاً. كما أن ما ميز العملية الجديدة قدرة شبان الانتفاضة على تنفيذ عملياتهم في أكثر المناطق الصهيونية التي يعتقد أنها محصنة أمنياً، ما يؤشر إلى مدى الجرأة والقوة التي يمتلكها شبان الانتفاضة وقدرتهم على تنفيذ ضرباتهم في عمق سيطرة الاحتلال. إضافة إلى ذلك فان العملية تميزت في كونها استهدفت عدداً كبيراً من ضباط وجنود الاحتلال وكشفت مدى رعبهم وخوفهم من مواجهة فدائي فلسطيني سلاحه شاحنة، وهو ما أظهرته المشاهد التي تناقلتها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والتي عرضت لحظة هروب عشرات الضباط والجنود المسلحين من المكان فيما الفدائي يعود مرة ثانية لدهس الجنود، قبل أن يطلق الدليل السياحي الإسرائيلي النار على الشهيد قنبر...
وقد وصفت ليئا شريبير، وهي إحدى المرشدات في الجولة، للصحفيين، مشهد الجنود الصهاينة لحظة الهجوم، قائلة «سمعت الجنود يصرخون... رأيت شاحنة على جانب الطريق. بدأ الجنود بإطلاق النار. كانت هناك أوامر وصراخ في كل مكان. طلب منهم الاختباء وراء الحائط خوفاً من هجوم آخر».
ثانياً: على صعيد النتائج، فقد أدت العملية إلى هز أمن الكيان الصهيوني وأظهرت العجز الإسرائيلي عن حماية أمن المستوطنين وتوفير الاستقرار لهم، وفي نفس الوقت أدت إلى ارتباك على مستوى الحكومة الصهيونية والتي عبر عنها بمحاولة رئيسها بنيامين نتانياهو التغطية على هذا العجز بالزعم أن منفذ الهجوم ينتمي إلى تنظيم داعش الإرهابي، وذلك في سياق السعي إلى وصم عمليات الانتفاضة بالإرهاب وتشبيهها بالعمليات التي ينفذها داعش في فرنسا والمانيا وبلجيكا وغيرها من الدول الغربية، وذلك لاستدرار التعاطف مع «إسرائيل» وتبديد أجواء العزلة الدولية التي تعاني منها، بعد قرار مجلس الأمن ضد سياسة الاستيطان الإسرائيلية وتنامي حملات المقاطعة في الدول الغربية لمنتجات المستوطنات. كما أدت العملية إلى أعادت توجيه الأنظار نحو فلسطين والتأكيد بأن المقاومة لم تهدأ والانتفاضة لم تتوقف وأنها مستمرة، تهدأ حينا ثم تعود حيناً وتشتعل وفق ظروف وخصائص جديدة يفرضها واقع الكفاح في ظل الاحتلال.
ثالثاً: أما على صعيد الرسائل، يمكن القول أن العملية وجهت ثلاثة رسائل، الأولى إلى الاحتلال بالقول له أنه لن ينعم بالأمن والاستقرار وأن إجراءاته الأمنية والتعسفية والإرهابية لن تمنع شبان الانتفاضة من مواصلة هجماتهم، وأن الشعب الفلسطيني لن يستكين، وأن مقاومته لن تهدأ طالما بقيت حقوقه الوطنية مهدورة والاحتلال جاثم على أرضه.
أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى قادة العدو بأنهم مهما امتلكوا من قوة ومهما اتخذوا من إجراءات أمنية ونكلوا بالشعب الفلسطيني وارتكبوا الجرائم وحرقوا المنازل وهجروا سكانها انتقاما من عمليات الانتفاضة لن يتمكنوا من إخماد شعلة المقاومة بل على العكس فأنهم مع كل زيادة في منسوب إرهابهم، اثر كل عملية، فان الانتفاضة والمقاومة تزداد تأججا.
والرسالة الثالثة التي وجهتها العملية كانت إلى السلطة الفلسطينية التي تواصل الإيغال في سياسة المراهنة على مسار التفاوض العقيم مع العدو الصهيوني، بدلاً من إعادة النظر بهذه السياسة التي ثبت بأنها مدمرة للقضية وأدت إلى نتائج كارثية على الشعب الفلسطيني، فالعملية أكدت أن طريق المقاومة هو السبيل لمواجهة جبروت المحتل وسياساته وبالتالي حماية عروبة فلسطين واحباط مخططات تهويدها وصولاً إلى تحريرها واستعادة الحقوق السليبة.
وأما الرسالة الرابعة فهي إلى الإدارة الأميركية عشية تسلم دونالد ترامب مقاليد السلطة، بأن نقل السفارة الأميركية إلى القدس لن يؤدي سوى إلى زيادة حدة الصراع وأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلاّ بعودة الحقوق الوطنية إلى أصحابها وليس بتمكين المحتلين من مواصلة احتلالهم وتوسعهم.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي