كتاب وأراء

التصدي للقرصنة الإلكترونية .. الوعي هو الحل

برغم كل ما قدمه عالم الإنترنت من مزايا دفعت البشرية إلى المزيد من التقدم على مختلف الأصعدة، إلا أن المساوئ التي لحقت باستخدامه تسببت في إيجاد مناخ من الكراهية والعداوات المتبادلة ليس فقط داخل المجتمع الواحد بل أيضا بين الدول بعضها البعض.
وحيث أضحت الحاجة ماسة لمزاياه بينما لا تبدو في الأفق آليات محددة واتفاقيات مضمونة للتخلص من مساوئه، فإن الوعي الإنساني يظل هو الحل الممكن للحد منها على الأقل.
وإذا كانت دولة بحجم الولايات المتحدة من حيث عناصر القوة والتقاليد السياسية قد عانت وما زالت تعاني من هذه المساوئ، يصبح من السهل تفهم أن المعاناة أشد عند من هم أقل منها في القدرات والتقاليد السياسية، مما يعنى أن الهم يطول الجميع.
في الجلسة التي عقدتها لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ الأميركي لمناقشة ما أثير عن تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جاءت بدونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، تم مجددا فتح ما يسمى بالقرصنة الإلكترونية من حيث تأثيرها على علاقات الولايات المتحدة الخارجية، وعلى تشكيل الرأي العام الأميركي.
تساؤلات واستفسارات المشاركين في المناقشات وردود القيادات الأمنية المعنية كشفت أن ما يمكن تسميته بالحروب الإلكترونية وأبرزها «القرصنة» أصبحت واقعا لا يبدو في الأفق أنه بالاستطاعة وقفه، وأنه يتزايد كلما تدهورت بشدة العلاقات السياسية بين الدول.
هكذا قال جيمس كلابر مدير الاستخبارات الوطنية الذي تحدث في الجلسة: «روسيا اتخذت موقفا أكثر عدائية في مجال القرصنة المعلوماتية من خلال زيادة حجم هذه المعلومات وتسريب ما يتم الحصول عليه (نشره) واستهداف البنى التحتية الرئيسية.. أجهزة الاستخبارات كشفت أنشطة روسية ترمى إلى تقويض ثقة الرأي العام في المؤسسات والإعلام والخدمات».
وللمزيد من توضيح الصورة فإن ردود القيادات الأمنية تضمنت ما يفهم منه أن استهداف المعلومات وبنيتها التحتية يجعل صاحب القرار يتخذ قرارا خاطئا في نهاية الأمر دون أن يدري، فالقرصنة تتدخل لشطب معلومات وإدخال معلومات بديلة مما ينتج عنه نتائج معاكسة لما كان يرمى إليه صانع ومتخذ القرار، كما أنها تقوم بإفشاء معلومات ما كان صاحبها يود كشفها، ومن جهة أخرى فإن حروب المعلومات تصنع مشهدا مشوها أمام الرأي العام مما يدفعه إلى اتخاذ موقف زائف من هذه القضية أو تلك.
ومن البديهي أن تشهد مناقشات لجنة الكونغرس السؤال الأهم: وما العمل؟
باستعراض موجز لما تم في التاريخ القريب لمواجهة الظاهرة كان هناك مساران، وهما إما فرض عقوبات في الأغلب اقتصادية، أو الاتفاق على وضع قواعد السلوك المسؤول للدول في هذا المجال، وقد تم بالفعل استخدام المسار الأول كوسيلة ردع ولكنه لم يوقف الظاهرة، وأما المسار الثاني فقد طرح منذ عدة سنوات ولم يفعل وليس من المتوقع أن يتم في الأجل المنظور على الأقل.
ولكن مناقشات اللجنة شهدت جديدا، حيث قال كلابر ردا على التساؤل السابق إنه من الصعب على الأجهزة المعنية أن تقدم حلا شافيا طالما الفضاء الإلكتروني أصبح مستباحا للجميع كل حسب قدراته في استغلال ما يتيحه من إمكانات واسعة لاختراق أقوى الحصون الوطنية، وعليه من وجهة نظر كلابر فإن الوعي الإنساني لدى أي مواطن هو الحل، فهو وحده الذي يفرز الغث من الثمين، ويعاون الأجهزة المختصة في استباق وإحباط القسط الأكبر من التهديدات، ولكن ما أفاد به كلابر ليس كافيا وحده في الحقيقة، حيث يتعين توفير الأجواء السياسية التي تقف كحائط صد يقي الحكومات والشعوب من التعرض للقرصنة الإلكترونية، فطالما استمرت الخلافات السياسية تعصف بالعلاقات الدولية لن يتمكن المجتمع الدولي من وضع مدونة سلوك لضبط استخدام الفضاء الإلكتروني ولن تتمكن المؤسسات المشروعة من توفير الفرص والإمكانيات التي تخلق وعيا سليما لدى المواطن المعاصر يجعله يستفيد بمزايا هذا الفضاء ويتجنب مساوئه.
بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد