كتاب وأراء

مرض الارضاء

عندما تتقدم لوظيفة، أو تطلب خدمة معينة، أو تحتاج لشيء ما صغر أو كبر من أحد ما، تسمع كلمة «ان شاء الله» وهي في الغالب تعني لدى الكثير منهم «لا».. ويتخيل هؤلاء أن تأجيل الحسم يحسن صورتهم ويظهرهم بمظهر الطيبة لدى الرأي العام.. غافلين عن أن هذه المماطلة ترهق السائل نفسيا ومعنويا، كما أنها إهانة له. في حين ان الاعتذار ومن البداية سيضايقه قليلا ولكنه سيوفر له الوقت للبحث والمحاولة من جديد في مكان آخر.. إن قول لا في الوقت المناسب تدفع البلاء، كما قال الطبيب الكندي، وقول نعم يزيل النعم اذا لم تكن قادرا على الوفاء بها.. تٌرى ما الصعب في قول كلمة من حرفين، لقد أوصى احد الحكماء ابنه بقوله «إياك والسرعة عند الجواب بنعم، فإن نعم أولها سهل في مخرجها، وآخرها ثقيل في فعلها، واعلم أن «لا» وان قبحت فربما روجت، وإن سئُلت في أمر تقدر عليه فقل نعم وإن عرفت أن لا سبيل إليه فاعتذر، فإن من لا يدفع عن نفسه بالعذر فقد ظُلم»، ومن الظلم فعلا ان تعشم الناس بالامل ثم تخذلهم، وذلك لأنه ليس لديك الجرأة لتعتذر بدلا من المماطلة، أحسن ما قيل في مدح «لا» نثرا قول بعض الحكماء: «لو لم يكن من فضل لـ «لا» إلا انها افتتاح كلمة التوحيد لكان كافيا «لا إله الا الله»، وقال أحد الشعراء «اجتمع الناس على ذم لا غير أني مُوجب حقل لا وذا لأني قلت يوما له.. تحب غيري سيدي قال لا.
وقال أحدهم ايضا «في كل شيء سرف.. يُكره حتى في الكرم
وربما ألفيت لا أفضل من ألف نعم.. وذكرت المذيعة العالمية «اوبرا وينفري» في كتابها «ما أعرفه على وجه اليقين» أنها مرت بهذه التجربة.. بهذه المعاناة.. ولعل الكثيرين وانا أولهم عانينا وما زلنا نعاني من صعوبة نطق هذين الحرفين «لا» حتى في الامور المصيرية.. ويمضي العمر دون أن نفكر في وضع حد لهذه المعاناة، تقول «أوبرا»: كنت أبلغ من العمر أربعين عاما قبل أن أتعلم أن اقول لا.. في سنوات عملي الأولى في التليفزيون، كنت متأثرة بنظرة الاشخاص إليّ كمقدمة كريمة ومعطاءة.. بعض الاشخاص كانوا ينفقون آخر عشرة سنتات معهم لشراء تذكرة حافلة، ليصلوا إلى برنامجي، أطفال هاربون.. نساء تعرضن للايذاء على يد أزواجهن.. والكل يأمل في مساعدتي، في تلك الايام كنت أبذل جهدا كبيرا في محاولة مني لإرجاع طفلة إلى عائلتها، أو أنتظر على الهاتف مع شخص كان يهدد بأنه سيقتل نفسه، ووجدت نفسي أحرر شيكا مصرفيا بعد شيك آخر لهذا وذاك، وبمرور الوقت استنفد هذا معنوياتي، كنت مشغولة للغاية بالعطاء وعدم تجاهل كل محتاج أوسائل، لدرجة أنني فقدت الشعور بما كان لدي من رغبة حقيقية للمساعدة.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري