كتاب وأراء

تجربتان أمام الرئيس البشير

ما زلتُ أذكر حديثاً للرئيس البشير، في نهايات العام 1989، قال: إنني معجب بالتجربة التركية.
كان يوم ذاك الجنرالات- حراس تعاليم أتاتورك- يحكمون من تحت الطاولة، وكان السياسيون يلعبون لعبة التداول السلمي للسلطة.
مفاصلتان، بين البشير وبين شيخه الترابي، وبينه وبين الحوار الأول للشيخ.
في الأولى تخلص من الشيخ (دماغ نظامه) إلى غير رجعة.. الدماغ الذي كان «يقول لنا امشوا يمين، نمشي يمين.. يقول لينا امشوا شمال نمشي شمال» بحسب الرئيس البشير نفسه، على الهواء، وهو يتحدث للمؤتمر الاول للإعلاميين العاملين في الخارج، قبل عدة سنوات.
المفاصلة الثانية، مع الحوار الاول– علي عثمان طه-، كانت أيضا قبل سنوات، بعد حديث في بروكسل، رحب فيه طه، بدخول الامميين إلى دارفور. في ذلك الوقت كان البشير يرفض دخول أي اممي، إلى ذلك الإقليم. وقتذاك، جاءت المفاصلة الثانية، حين ملأ البشير فمه بجملة: «من هنا ولى قدام، الكلام للعساكر»!
هكذا، ذهب الشيخ إلى بيته في ضاحية المنشية.. وأصبح الحوار الاول- خاصة بعد إعفائه من منصب النائب الاول للرئيس- على (الرف)، وابتدأ مسلسل( الكلام من هنا ولى غادي للعساكر)، وهو المسلسل الذي كان يشي بأن الرئيس البشير يريد فعلا تنزيل إعجابه بالتجربة التركية... تجربة ما قبل رجب طيب أردوغان!
لا يختلف اثنان الآن، ان نظام البشير يحكم بقبضة امنية صارمة. قد يتفق من يتفق مع هذه القبضة، باعتبارها ضرورية، في ظل التحديات الأمنية الهائلة التي تتمثل في حروب دارفور وكردفان والنيل الأزرق، التي تهدد ما تبقى من الوطن بالمزيد من التشظي والانقسام.
في موازاة ذلك، قد يختلف مع القبضة الأمنية الصارمة من يختلف، باعتبار أن هذه التحديات هي من ضيق أفق النظام نفسه، وضيق صدره بحقوق الآخر في تقاسم السلطة والثروة، وباعتبار ان مثل هذه التحديات أخطر من أن يترك مصير مجابهتها لأصحاب الكتوف اللامعة، والخوذات والملامح الخشنة، وحدهم!
إعجاب البشير بتجربة جنرالات تركيا، انتهى زمانها.. بزوال عصر الجنرالات مع بزوغ فجر عصر رجب طيب اردوغان.
السودان، عما قريب مع تغييرات مهمة، تشير كل الدلائل أنها حتمية، تفرض نفسها فرضا على نظام البشير.. ومن هنا يقفز السؤال: هل يحاول الرئيس البشير التأسي بتجربة اردوغان مع الإسلاميين الجدد في نظامه، أم هو سيحاول التأسي بتجربة صانع سنغافورة- ليو كوان- الرجل الذي صنع اعجوبة من أعاجيب هذا الزمان، بالتكنوقراط من كل جنس، ولون ولسان وثقافة.. التشكيلة التي جعلت من سنغافورة دولة بلون قوس قزح.
أي التجربتين، هي محل إعجاب الرئيس البشير، الآن؟
بقلم : هاشم كرار

هاشم كرار