كتاب وأراء

أميركا والمشرق الجديد

معطيان أساسيان يتقاطعان اليوم في قلب المنطقة العربية، وهما وصول الرئيس ترامب إلى رئاسة القوة الاقتصادية والنووية الكبرى في العالم في خط أول، وتفاعل تداعيات ربيع الشعوب العربية على خط ثان. انتخاب الرئيس الأميركي ترامب لا يتجاوز في أهميته القيمةَ السياسية والحضارية لفعل الشعوب العربية، الذي عبّرت عنه خلال الثورات الأخيرة، وقد نجحت في الإطاحة بأنظمة قديمة راسخة في الفساد والاستبداد.
بعد واحدة من أكثر الحملات الانتخابية رتابة وأكثرها إسفافا في الخطاب الانتخابي تمخض جبل الحرية الأميركي عن رئيس متطرف، يفتقد لأبسط عناصر اللياقة الذاتية والكياسة الدبلوماسية اللازمة، كما يقول عنه أغلب المحللين الأوروبيين والأميركيين أنفسهم. لكن من زاوية أخرى يمكن إدماج زلات اللسان المحرجة والصادمة أحيانا كثيرة، وضمّ التصريحات العدوانية والعنصرية إلى خانة المكوّن الذاتي، أو إلحاقها بالعناصر التواصلية التي تتطلبها الحملة الانتخابية، وتستلزمها دغدغة عواطف الجماهير والاستجابة لأفق الانتظار لديهم. إن المبالغة في تصوير الرئيس الأميركي الجديد على أساس كاريكاتوري ساخر يستوجب الوقوف عند النقاط التالية:
أولا- لا يختلف ترامب عن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن سواء في تطرفه أو في تعبيراته الساخرة وزلات لسانه الكارثية أو في سلوكه العنصري الذي توجه بمذبحة العراق وتدمير واحدة من أعرق الحضارات في التاريخ. إن تصوير الرئيس ترامب على أساس أنه مفاجأة أميركية انتخابية لا يستقيم من وجهة النظر التحليلية الصرفة أو المقارنة.
ثانيا- يفضل كثيرون الخطاب الصريح للرئيس الجمهوري على الخطاب المتلوّن للرؤساء الديمقراطيين لأن خطاب المواجهة المباشرة يسمح بتخلص من التأويلات المزيفة أحيانا كثيرة للنوايا الاستعمارية الأميركية، خاصة في المنطقة العربية. فسلوك الرئيس الأميركي وسياسته الداخلية والخارجية هو انعكاس صادق لدواخل النظام السياسي الأميركي، ولموقفه من الآخر، خاصة العربي المسلم.
ثالثا- ألا يمثل التركيز الإعلامي على المكوّن السلوكي الطائش للرئيس الأميركي إعفاء مسبقا له من المسؤولية الأخلاقية التي قد تترتب عن مغامراته القادمة في حق الأمم والشعوب؟ أليس الجنون الرئاسي فكا للارتباط بين صورة الحرية الأميركية وقيمها الديمقراطية وبين الجنون العنصري المحموم لقائد طائرتها السياسية؟
الرئيس ترامب لا يعدو أن يكون استنساخا مبرمَجا - من قبل الإدارة الأميركية العميقة- للوجه السياسي الأميركي الذي تتطلبه المرحلة الحضارية الجديدة من عمر الإمبراطورية الأميركية في مواجهة التحولات العالمية الكبرى.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد