كتاب وأراء

الرجل العظيم

إلى وقت قريب كان جسر البوابة الذهبية في «سان فرانسيسكو» يحتل المرتبة الأولى في عدد من يضعون حدا لحياتهم البائسة بالانتحار، ثم قفز جسر نهر اليانغستي في مدينة ناينغ الصينية إلى أعلى القائمة، ودأب رجل يدعى «شين شي» على متابعة الاخبار كل يوم، وكانت تلك الميتات الحزينة تسبب له الالم والتعاسة، وبعد تفكير قرر ان يفعل شيئا بدلا من الاكتفاء بالشعور بالاسى كمعظم الناس، ولما كان يعمل خمسة ايام في الاسبوع فقد اضطر لتخصيص عطلة الاسبوع للبدء بمهمته الإنسانية. وعلى مدى 13 عاماً، اعتاد «شين» امتطاء دراجته النارية وقطع مسافة طويلة من منزله إلى الجسر مرتين في الاسبوع، ليمنع الناس من الانتحار، وقد يقطع هذا المشوار الذي يصل إلى ساعة عدة مرات في اليوم، اذ يردف من ينقذه خلفه على الدراجة ويعود به للمدينة يطعمه ان كان جائعا أو يعالجه ان كان مريضا ثم يعود مرة اخرى للجسر لينقذ شخصا آخر، وحتى يتمكن من كسب ثقة هؤلاء قرأ الكثير من كتب علم النفس، كما اكتسب خبرة مع مرور الوقت في قراءة الوجوه الكئيبة والاجساد الخائرة التي تسير وتقف بتثاقل وبلا روح، فما أن يرى احدا منهم حتى يقترب منه ويبدأ بطرح الاسئلة بعد ان يؤكد بصوت صادق انه شخص طيب ويبغي المساعدة لا اكثر: «ما هو الوضع الذي يمنعك من تجاوزه؟ ما فائدة المخ ان لم تستطع استعماله؟ ان ابنتك أو ابنك بحاجة اليك كيف تكون بهذه الانانية وتتركه يعاني وحده؟ إلى آخر هذه الاستفزازات حسب نوع الحالة التي تستدعي تدخله، فهو مؤمن انه ليس من حق أي إنسان ان يدمر نفسه لأي سبب، وشين لا يكتفي بمنع المنتحرين من الانتحار باللين احيانا أو بالقوة وتوفير ما يقدر عليه من احتياجات مادية أو معنوية، بل انه يترك لهم رقم هاتفه ليتواصلوا معه في أي وقت، وهو يتلقى خمسة آلاف رسالة نصية في العام بالاضافة إلى مئات المكالمات خاصة بعد ان ذاع صيته واهتم الاعلام بتغطية القضية التي سخر نفسه من اجلها، كما اقتطع من راتبه الهزيل جزءا استأجر به شقة في حي فقير وخصصها لاقامة من لا يجدون مأوى لمدة يوم أو يومين حتى يستردوا عافيتهم النفسية والعقلية، ويقول شين شي إنه قادر على التحدث مع الراغبين بالانتحار وإقناعهم بالعدول عن ذلك، لأنه يعرف كيف يشعرون. والعديد من الراغبين بالانتحار من فوق الجسر ليسوا من سكان المدينة الأصليين، إنما من العمال المهاجرين الذين
يعيشون بعيداً من منازلهم، وكان شين مثل هؤلاء العمال في يوم من الأيام، وكان يعاني من الإحباط واليأس الشديد، بعيداً عن أسرته، قبل أن يلتقي برجل عجوز قدم له نصيحة ثمينة، وساعده لينظر إلى الحياة بطريقة إيجابية، وبعد فترة وجيزة من لقائهما، بدأ أبناء الرجل العجوز يتشاجرون حول الميراث، مما دفعه للتوقف عن تناول الطعام ومات في النهاية. وألهمت الحادثة المأساوية السيد شون للعمل على إقناع الآخرين بأن هناك أشياء تستحق أن يعيش الإنسان من أجلها واعتقد شون أنه لو زار الرجل العجوز في الوقت المناسب، لكان تمكن من إقناعه بتناول الطعام.. ويقول «شين» ان هناك خمسة انواع من الانتحاريين، النوع الاول تلقى تغييرا كبيرا في حياته كتعرضه للخيانة أو الفصل من العمل وهؤلاء يسهل انقاذهم، والنوعان: الثاني والثالث مرضى نفسانيون أو بأمراض في مراحلها الاخيرة وهؤلاء من الصعب اثناؤهم عن الانتحار، والنوع الرابع هم الذين يعانون من العنف المنزلي واغلبهم من النساء، والخامس يمرون بمشاكل عاطفية وقد تمكن من انقاذ 30% منهم.. ومع الوقت تمكن من انقاذ مئات الاشخاص وكافأته الحكومة بعدة اوسمة وميداليات لا نفع منها، لكنه لا يشتكي ولا ينتظر شيئا من احد، وكل عام يقيم حفلة متواضعة للاحتفال برأس السنة ويدعو فيها كل من أعاد النظر في الحياة.. ثلاثة أشياء فقط تعكر عليه صفاء روحه.. اولها انه مضطر للعمل وهذا يمنعه من التفرغ تفرغا تاما لما نذر نفسه من اجله، والثاني أن أسرته الصغيرة زوجته وابنته محرومتان من الكثير لأن معظم دخله يصرفه على الناس، والثالث وهو الاقسى والأصعب موت إنسان عجز عن أن يصل اليه في الوقت المناسب.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري