كتاب وأراء

روسيا وتحالفات الغاضبين

تثير روسيا الكثير من الأسئلة حول تحالفاتها والمصالح التي تتشكل على أساسها.. آخر تلك التحالفات هو اتفاق الهدنة ووقف إطلاق النار في سوريا والذي تم بين نظام بشار الأسد وبين المعارضة السورية وذلك بتوافق وضمانات روسية وتركية.
الاتفاق جاء بعد أيام من اجتماع ثلاثي ضم إيران إضافة إلى تركيا وروسيا في موسكو. إعلان الرئيس فلاديمير بوتين عن الاتفاق ثم التصريحات التركية أظهرت مستوى متقدما من الإعداد والتنسيق للاتفاق والذي بدوره يعكس مستوى من التوافق المتشكل عن وجود فهم متقارب حول ما آلت إليه الأزمة السورية.
يبدو أن ما جمع بين روسيا وتركيا ليس فقط التطورات في سوريا، ذلك أن العلاقات كانت في تطور إيجابي حتى العام 2014 ولم يوقفها إلا مسألة إسقاط الطائرة الروسية والذي دفع العلاقات إلى دخول مرحلة الأزمة. العودة السريعة بعد فشل الانقلاب وجلاء بعض التفاصيل حول إسقاط الطائرة الروسية والاجتماع بين القياديتين عوامل كلها دفعت إلى تنشيط العلاقات وإعادتها إلى مسارها الذي كانت عليه قبل أزمة إسقاط الطائرة الروسية.
يبدو جلياً أن سلوك الدول يتغير متأثراً بالأحداث والتطورات، ظهر ذلك بعد الانتقاص الأميركي المستمر لروسيا في السنوات الأخيرة لا سيما بعد الأزمة الأوكرانية ومسيرة فرض العقوبات غير المتوقفة على روسيا وانتهاء بأزمة تدخل روسيا في معركة الانتخابات الرئاسية في واشنطن.
في المقابل كان الانتقاص من مصالح تركيا من قبل واشنطن وعدم الأخذ بالتوصيات التركية المتعلقة بإقامة منطقة حظر جوي في شمال سوريا، الأمر الذي فاقم مسألة اللاجئين على الداخل التركي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر الانتقاص من قبل دول الاتحاد الأوروبي التي وعدت تركيا بالمساعدة الاقتصادية لتحمل الأعباء المتزايدة للاجئين السوريين مقابل وقف سيل الهجرة إلى أوروبا.
لم تلتزم الدول الأوروبية بما تعهدت به، الأمر الذي أثار غضب تركيا ودفع بالرئيس طيب أروغان للتهديد بعودة تركيا عن التزاماتها إذا ما استمر التجاهل الأوروبي. الأمر الآخر بالغ الأهمية هو أن دول الناتو والتي تعتبر تركيا عضواً فاعلاً فيه لم تقدم ما عليها من التزامات دفاعية لأنقرة بوصفها عضواً.
كل هذه العوامل أغضبت كلا من روسيا وتركيا، ودفعت باتجاه الخيار الذي ربما تجاهله البلدان وهو العمل المشترك وتجاهل الحلفاء التقليديين. ذاتها الاستراتيجية من التجاهل وفرض العزلة والعقوبات جمعت بين روسيا وإيران لعقود.
إنها تحالفات الغاضبين من التجاهل والانتقاص. الحالة التركية- الروسية مثال حديث سبقه التحالف الروسي- الإيراني.
لقد ساعدت العوامل الدولية في المحافظة على التحالف الروسي- الإيراني، تحالف لم تدافع عنه روسيا كثيراً حيث مررت قرارات العقوبات الاقتصادية منذ العام 2005 رغم امتلاكها لحق النقض (الفيتو)، أمر لا يبدو أنه أضر بتحالف الغاضبين. هذا يشير إلى أن مستوى التحالف قد لا يكون عالياً. الأمر الذي قد لا يحقق إلا القليل على المدى الطويل، والمقصود في هذا السياق إبقاء حالة الاستقطاب موجودة وبشكل قوي.
روسيا تدرك أن أحد عناصر قوتها السياسية هو أنها ضمن معسكر الكبار، مثل هذا الأمر يجعل دائرة تأثيرها حقيقية ويدفع باتجاه إبقائها في دائرة اهتمام اللاعبين الإقليميين سواء في منطقة الشرق الأوسط وأواسط آسيا وحتى في أميركا اللاتينية. يبقى السؤال عن السقف الأعلى لما يمكن أن تقدمه روسيا لحلفائها، وما إذا كانت تلك التحالفات قابلة لتستمر وتتجاوز حقيقة كونها «تحالفات للغاضبين»؟
بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري