كتاب وأراء

المؤسسات الأكاديمية البناءة .. متى نراها في عالمنا العربي؟

من منا لم يسمع عن المؤسسات الأكاديمية العالمية العريقة والمرموقة (مثل هارفارد وستانفورد ويا ل وبيركلي...) وكيف أنها تغير من سمات الأفراد وتطلق طاقاتهم الخلاقة وتفتح لهم الأبواب بعد تخرجهم؟ ومن منا لم يحلم بأن يدخل هو أو حتى أبناؤه أو أحفاده (كل حسب عمره) مثل هذه الجامعات والمعاهد لينهل من هذا النبع العلمي ويتعلم على يد أساتذة افذاذ وعلماء أجلاء ويجاور خيرة الأقران ويصاحب أناسا على قدر عظيم من الذكاء والمعرفة.
ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة سادت العالم خلال القرن الماضي من خلال بناء عدد كبير من المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية التي لا يضارعها أو يماثلها شبيه أو نظير في العالم المتقدم ناهيك عن عالمنا النامي أو الثالث كما يحلو للبعض الوصف. يجدر القول ان تميز أميركا في التعليم العالي بصفة خاصة (وليس التعليم قبل الجامعي) هو السبب الرئيسي في تسيدها العالم اقتصاديا وعسكريا وثقافيا.
اقتصاديا: يكفي أن نعرف أن أكثر من 90% من براءات الاختراعات في العالم تأتي من أميركا وبالتحديد من مراكز البحث والجامعات. الانترنت وثورة الاتصالات الحالية وجميع الشركات العالمية التي تقود هذه الثورة (ابل وميكروسوفت ولوسنت وموتورولا والكاتيل وكوالكوم) تأتي من أميركا ومراكز ابحاثها. بل ان كثيرا من القرى والمدن الصغيرة في أميركا تقوم على وجود جامعة أو معهد بها. تصبح الجامعة هي الموظف الأساسي في القرية ويصبح الطلبة وموظفو الجامعة هم المستهلكين الأساسيين في القرية التي لا تحيا في غيابهم. فهم الذين يرتادون مطاعمها ويستأجرون مساكنها ويشترون من حوانيتها ومجمعاتها التجارية. وهكذا إذا أرادت أميركا أن تعمر منطقة معزولة أو منغلقة فإنها تقيم جامعة أو معهدا بها حتى وصل عدد المعاهد والجامعات في أميركا إلى ما يقرب من خمسة آلاف ونصف بحسب إحصاء 2015.
عسكريا: يكفينا أن نعرف أن القنبلة الذرية صنعت أولا في مركز بحثي وجامعة أميركية. أما وزارة الدفاع الحالية فهي التي تمول معظم المنح وبرامج الأبحاث التي تقدمها مؤسسة الأبحاث الوطنية لجامعات أميركا للتطوير الدائم لطائراتها وغواصاتها ووسائل تجسسها ومنظوماتها العسكرية بكاملها. بل أن الجامعات لا تدرس فقط التطوير العسكري وانما أفضل الطرق للتدريب وأفضل السياسات الاستراتيجية للاحتفاظ بالتفوق العسكري على مدى خمسين سنة قادمة.
أما ثقافيا: فنظرة واحدة على دور العرض السينمائي في بلادنا وبلاد العالم كله تكفي للدلالة على مدى تغلغل الثقافة الأميركية في أنحاء العالم المختلفة.
لقد أصبح مواطنونا يعرفون «هوليود» و«بروداي» وأسماء الممثلين والمغنين والموسيقيين الأميركيين أكثر مما يعرفون نظراءهم العرب. نفس الحديث يقال على عالم المسرح وعالم التأليف القصصي أو الكتابات السياسية والاجتماعية. مرة أخرى يرجع السبب الرئيسي في هذا التسيد العالمي إلى معاهد التعليم الجامعي الفنية والمراكز البحثية المتخصصة في كل فروع الأدب والثقافة والمنتشرة في جميع ارجاء المعمورة الأميركية.
لقد استطاعت أميركا أن تجند هذا القطاع التعليمي المميز لخدمة مصالحها القومية وأن تجعله نموذجا يحتذى به في كل أنحاء العالم. فأصبح قبلة العالم أجمع بل أن الجديد أنها أصبحت تصدره إلى مختلف بلاد العالم. فأصبح افتتاح فرع لجامعة أميركية معروفة في الصين أو اليابان أو روسيا أو تركيا أو الامارات أو قطر مثار فخر واعتزاز لهذه البلاد. ولكن السؤال الذي يظل يلح علينا: هل نكتفي في منطقتنا أن تكون الجامعة الأميركية في القاهرة على قمة الهرم الجامعي المصري؟ والجامعة الأميركية في بيروت على قمة الهرم الجامعي اللبناني؟ والجامعة الأميركية في الشارقة على قمة الهرم الجامعي الخليجي؟ أم آن لنا أن يكون لنا جامعاتنا المرموقة؟
كيف وصلت أميركا إلى هذه القمة؟ وماهي خصائص القطاع التعليمي الجامعي الأميركي المميزة والفريدة والتي مكنتهم من تبوؤ هذه المرتبة العالمية؟ وهل يمكننا أن نجاري بعضها أو نصل ببعض جامعاتنا إلى مستوى مقارب؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المقالة القادمة.

بقلم :أ. د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي