كتاب وأراء

الحمى «الباردة»!

تأخذ إجازة من العمل، وتحسب من رصيد إجازاتك.
وتأخذ إجازة من الأهل، وتحسب من رصيد إجازاتك.
وترصد مبلغ السفر، ويحسب من رصيد مدخراتك.
ويكتب الله عليك ألف كذبة كذبتها على من لا تريد إخباره بالسفر.
ويكتب الله عليك ألف نية سيئة، لما قد تقترفه في سفرك.
وتتقاذفك همهمات الحساد من أصدقائك الذين يعلمون بأنك ستكون بعد هنيهة محلقا نحو الانبساط والسفر.
تختار ملابسك، حذاء حذاء، وجوربا جوربا، وقميصا قميصا، ثم تحزمها، وتعد الساعات، إلى أن تركب الطائرة باتجاه بلد السفر.
تجلس في الطائرة تضحك حتى مع نفسك من كثرة الانبساط، تلاعب أي طفل يمر بجانبك على أساس أنك عطوف، وتبتسم بوجه أي امرأة على أساس أنك جنتل.
وما إن تصل إلى وجهتك وتجلس اليوم الأول، ثم الثاني، إلا وتشعر ببحة صوت، ما تلبث أن تتحول إلى التهاب في الحلق، ما يلبث أن يتحول إلى ارتفاع في درجة حرارة، ما يلبث أن يتحول إلى حمّى ترزفك في الفراش رزف النار للزيت المغلي.
وبدل أن تتخذ مرافقا سياحيا، تتخذ لك مرافقا طبيا، كل يوم يجدد لك الطبيب، ويجدد لك المستشفى ويجدد لك الدواء.
وبدل أن تلتقي بما لذ وطاب، تلتقي بمن مرض وذاب وذاق ألــوان العذاب.
تقبّل يد الدكتور:
أرجوك يا دكتور، العلم وصل أن أشاهد رونالدو يسجل في برشلونة وأنا في بيتي، ألا يستطيع هذا العلم أن يقضي على الحمّى في ساعات، أو على الأقل يؤجلها أياما حتى أعود.
يا دكتور ألم يكتشف العلم إبرة تعطينيها بالعضل أقوم بعدها كالحصان بدل ما أنا ممدد كتسعيني يعاني من آثار جلطة حديثة؟
يهز الطبيب رأسه بيأس:
الحمى ستأخذ وقتها رغما عني وعنك وعن الطب.
تتفلت أيام الإجازة من بين يديك، يوم، يومان، ثلاثة، أربعة، خمسة، تحدث نفسك:
هل أكسر الإجازة وأعود متحملا كمية الشماتة المتوقعة، أم أصبر إلى أن ينتهي أسبوع الحمى الذي تأخذه من شواربك أخذ عزيز من ذليل.
الإجازة كلها أسبوعان..
ذهب الأسبوع الأول بحثا عن الدواء، محسوب عليك فيه كل شيء بالسعر السياحي، النوم والأكل والهواء والماء.
وبقي الأسبوع الأخير.

بقلم : بن سيف

بن سيف