كتاب وأراء

الدائرة المفرغة

كان «جورجيادس» واحدا من أشهر فلاسفة السفسطائيين الذين برعوا في التلاعب بالحقائق بإثبات الأمر ونقيضه، وكان يعمل في المحاماة وهي المهنة التي برع فيها هولاء، وكانت له شهرة عريضة أغرت احدهم وهو شاب ماجن غضب عليه أبوه الثري فحرمه من امواله وقاطعه-بأن يفكر بدوره في تعلم المهارة السوفسطائية ليشتغل بالمحاماة ويرتزق منها.. فجاء إلى جورجيادس وطلب منه ان يتولى تعليمه، وصارحه بانه مفلس ولا يستطيع أن يدفع أجر تعليمه.. ولكنه عرض عليه أن يتشارطا في عقد مكتوب وموثق بأن يدفع الفتى أجر معلمه من أتعاب أول قضية يكسبها بعد إكمال تعليمه وامتهانه للحرفة!! وقد كان..بذل الاستاذ جهدا كبيرا في تعليم الشاب كل أسرار البراعة السفسطائية ومنطقها الذي يتحدى كل منطق.. وبات الأخير جاهزا لممارسة المهنة.. وانتظر المعلم وهو يفرك يديه ويحلم وينتظر الاموال التي سيقبضها ثمنا لتعبه بمجرد أن يترافع طالبه المجد في قضيته الأولى، لكن الرجل انتظر على غير طائل، فقد حدث ان تصالح الفتى مع أبيه وعاد إلى مجونه وعبثه، ولم يعد مضطرا للعمل، واستشاط المحامي المشهور غضبا وهرع إلى تلميذه يطالبه بأجره.. فباغته الفتى وهو يضحك ساخرا بإجابة مفحمة..«عفوا يا معلمي العزيز فالعقد المبرم بيننا ينص على ان ادفع لك من أتعاب أول قضية أكسبها..وانت تعلم.. والكل يعلم.. أنني لم امارس العمل، وليست لدي قضايا لأكسبها أو اخسرها» وأسقط في يد الفيلسوف العجوز وكاد أن ينسحب وهو يجر أذيال الخيبة، لولا ان أسعفه ذهنه المدرب على التحايل على القوانين بالمنطق السفسطائي بفكرة باهرة، فعاد إلى تلميذه الجاحد وقال له: «وما قولك اذا رفعت عليك قضية أمام المحكم الاثينية الموقرة، وأطالبك فيها بأجري.. فإذا كسبتها أنا فسأتقاضى أجري منك بحكم المحكمة..وإذا كسبتها أنت فسأتقاضى أجري منك بمقتضى العقد المبرم بيننا..وبهذا سأحصل على أجري في كلتا الحالتين» واذا بالتلميذ ينفجر ضاحكا ويرد ساخرا: «كلا يا سيدي المحترم.. لم تحسبها صح كما تظن وتعتقد..فلن تنال أجرك في كلتا الحالتين..إذا حكمت لك المحكمة أكون قد خسرت القضية ولن تتقاضى أجرك بحكم العقد...أما إذا حكمت لي المحكمة فلن أدفع لك بمقتضى حكم القضاء.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري