كتاب وأراء

إشكاليتنا مع التراث

التراث بشقيه المادي والمعنوي يمثل ذاكرةً للأمة، والذاكرة في الأساس قدرة على استرجاع أحداث الماضي، ولكن.. قد تحتل الحاضر أو معظمه كذلك إذا ما أصبحت هاجساً وأصبح الحاضر ليس سوى إعادة أو فضاء فارغ لا يملؤه شيء يذكر.
عدم تبلور آلية للتعامل مع هذا التراث بالشكل الذي يجعل منه ذا نفع بحكم أنه ماض يستفاد منه لا أن يعاش وبحكم أن الأشياء لا تؤخذ بشكل شمولي غثها وسمينها، وآلية التعامل مع التراث تتطلب عنصرين هامين لتحقيق الغرض المرجو منها، وهما: المسافة اللازمة للحكم على الأشياء والنظرة النقدية وليس النظرة النوستالجية المتشوقة أو الحانة إلى الماضي، وعدم تحقق هذين العنصرين في تعاملنا مع تراثنا أصبح عبئاً على حاضرنا وشغل يومنا وغدنا.
إن دراسة أي شيء تتطلب حيادية الدارس أمام الموضوع الذي يراد دراسته وتتطلب الفصل بين الذات الدارسة والذات المدروسة، نحن ندرس الماضي والتراث ونحن نعايشهما بشوق كبير نلتصق بالماضي حفظاً لذاتنا الضائعة وخوفا عليها من الاندثار، نتشوق إلى الماضي وتراثه بحنين يفوق حنين الأم إلى وليدها الرضيع لأن الحاضر مرعب ولا ندرك من أشيائه الكبرى أو الصغرى ذرة تطمئننا أو تهدئ من روعنا. أية موضوعية نتقصاها بعد ذلك ونحن نذوب في ماضينا كما يذوب الملح في الماء وننزوي في أركانه وزواياه كما ينزوي الخائف من أشعة الشمس أو برد الشتاء.
إن انتصار نظرة التقديس للماضي وتراثه على تيار النظرة النقدية الفاحصة له كان لها الأثر الكبير في تراجع دور هذه الأمة بين الأمم، قد تجنح النظرة النقدية نحو التحامل قليلاً ولكن لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال، ما نمارسه اليوم في حاضرنا عندما نحاول استعادة الماضي وتراثه العريق تحت العديد من الشعارات سواء كانت دينية أو قومية أو غير ذلك هو قمة التقديس لـه. لقد أباد بُول بُوت نصف شعبه الكمبودي في محاولة لاستعادة تاريخه، ومزق صدام حسين العراق وجيرانه في محاولة لاستعادة تاريخ نبوخذ نصر وقادسية العرب.
لقد كان اقتحام الحاضر بأسلحة الماضي وبالاً على الأمة لأننا لم نفرق بين عناصر الزمن الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل. لقد كانت قلوبنا غُلفاً ونحن نقف أمام النقد ونعتبره سَباً وهجاءً لأن قاموسنا اللغوي لا يعرف كلمة النقد ومليء بأبواب السب والهجاء إلى جانب المدح المبتذل. ننظر كيف كانت وقفتنا مع من أراد أن ينظر ببصيرة إلى التراث ويفرزه فرزاً في الماضي والحاضر فمن جرى تكفيرهم أو طردهم أو قتلهم أليس كان من الأفضل التحاور معهم وفتح باب النقاش بدلاً من تكميم الأفواه وسد الثغور وترحيل الإشكالية من زمن إلى آخر ومن جيل إلى آخر. لقد كان انتصاراً كبيراً للشمولية السياسية والعسكرية التي تزهق أرواحنا يومياً وانهزاماً للكيفية التي لو قدر لها لوضعتنا على خريطة الأمم الرائدة. ما لم يرتفع التراث إلى مستوى النقد، وما لم نضع المسافة المطلوبة بينه وبين حاضرنا وذواتنا المعاشة اليوم، وما لم يكن النقد منهجاً أساسيا يفوق مناهجنا العربية البيانية كلها، لن نستطيع أن نعايش حاضرنا إلا بقدر تدخل ماضينا فيه، وبقدر ما ينعكس عليه من ذلك الماضي والتراث، وسنظل نتحرك في فضاء اليوم بذاكرة الزمن الذاهب إلى غير رجعة.
بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر