كتاب وأراء

صاحبة الجلالة

يساور الصحافة الورقية قلق مشروع ووجودي، فالمعطيات التي طرأت، ومنها اتساع نطاق الصحافة الالكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي، يضعها أمام ضرورات التغيير وتبديل تبويباتها التقليدية والبحث عن جديد في مادتها الصحفية، بما يزيد من قدرتها على البقاء ويضاعف جاذبيتها.
ومن ثم فالسؤال الذي يطرحه فرسان صاحبة الجلالة على أنفسهم: ماذا نحن فاعلون إزاء هذه المستجدات التي تزلزل عرش الصحافة الورقية، فإزاء هذه المعطيات الصحفية الجديدة بدأ صحفيون عرب في إمعان البصر بالواقع الصحفي العربي الراهن، وكيف يمكن مواجهة هذه المعطيات منعا للانقراض، ولإثبات الوجود، ومن ثم البقاء في الساحة، غير انه ثمة من قال ان هذه المعطيات الصحفية الجديدة التي أزاحت صحفا عالمية واجبرتها على الانسحاب لا يزال أمامها بعض الوقت حتى تصل إلى منطقتنا، فليس بالضرورة ما يحدث في الغرب يمكن ان يحدث في التوقيت ذاته لدينا، حيث انه لا يزال هناك فرق توقيت صحفي بيننا وبين الغرب، فواقعنا الثقافي لايزال يحفل بالصحافة الورقية، ويهتم بها، غير ان هناك من قال ايضا: ايها السادة لابد من الوعي بان انصلاح الواقع الوظيفي وتطوير بيئات العمل، وتنشيط ضوابطها لن يكون في صالح الصحافة الورقية، فبيئة العمل المنضبطة والمتطورة لا مجال فيها لقراءة صحف، ولا حل للكلمات المتقاطعة، ولا قراءة المشاكل العاطفية، ولا النقد الرياضي المثير الذي تنشره.
في دولة عربية، ابتكر احد الصحفيين العرب فكرة للهروب من ضغوط تتعرض لها الصحافة الورقية، فإذا كانت الصحافة الورقية اصيبت بقصور خبري، ازاء النشاط الخبري التليفزيوني، وعلى نحو لم يعد معه بوسع الصحافة الورقية ان تبيت على خبر للانفراد به، فالاعلام التليفزيوني صار جذابا للمصادر، التي تفضل الظهور التليفزيوني على صورة في جريدة، وفكرة هذا الصحفي تعتمد على صحافة: «ما بعد الخبر»، ولا تهتم بالخبر كسابق العهد، وذلك من خلال تقديم مقالات تحليلية لهذا الخبر أو للواقع بما ينوء به، واثر هذه الفكرة ظهرت في دولة عربية صحيفة كل مادتها الصحفية من مقالات، بدءا من صفحتها الاولى، وحتى صفحتها الاخيرة.
صحفيون آخرون طلقوا الصحافة الورقية طلاقا بائنا، وظنوا ان زمنها قد انصرم، والتحقوا بالصحافة الالكترونية التي عدوها صحافة الحاضر والمستقبل.
فئة ثالثة من الصحفيين ولوا وجوههم شطر الاعلام التليفزيوني، وتركوا الصحافة الورقية والالكترونية، فوجدوا انفسهم في التقديم البرامجي التليفزيوني، وصاروا يحققون من ذلك دخولا بالملايين.
غير أنني، رغم كل ما يقال، مازلت مؤمنا بقدرة الصحافة الورقية على البقاء إلى ما شاء الله، وان ما يتردد بشأن امكانية انقراضها لا يعدو ان يكون استنتاجات، أو قل توقعات غير صائبة، فصاحبة الجلالة ستظل على عرشها، وللأسباب مساحة أخرى في وقت قادم، بعد ان أدرك كاتب هذه السطور الصباح وسكت عن الكلام المباح.
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي