كتاب وأراء

القلب..حزين

أعطوني جماهيركم المتعبة الفقيرة...التواقة إلى أن تتنفس في حرية. ابعثوا إليّ بنفايات شاطئكم المزدحم.. أولئك الذين لا مأوى لهم ولا وطن. فهاأنذا أرفع مشعلي قرب الباب الذهبي!! هذه هي الكلمات المنقوشة على قاعدة تمثال الحرية الشهير في نيويورك. رددها على مسامعي مواطن أميركي من أصل عربي.. ونبرات صوته تشي بافتخاره بالبلد الذي استقبله مهاجرا ومنحه الجنسية وفرصة التدرج في مراتب العلم والوظيفة. حتى أصبح مهندسا مرموقا في أكبر شركات البترول. وبقدر افتخاره بوطنه الجديد كان غاضبا ومصدوما ويائسا من العرب وأحوال العرب. هذا المهندس تلقى عرضا مغريا للعمل في دولة خليجية، ولم يأت هذا العرض من فراغ. لقد كان هذا المهندس عبقريا في تخصصه. وسبق وتلقى عدة عروض مشابهة من شركات أجنبية خارج أميركا ورفضها دون تردد، لكنه فرح ورحب بالعرض الجديد القادم من بلد عربي يذكره بالوطن والأهل. رأى في هذه الفرصة القادمة من بلاد الشمس والدفء الإنساني بارقة أمل تعيده إلى طفولته. وفرصة لتعيش طفلته الوحيدة التي آلت اليه حضانتها في بيئة صحية وفي بلد عربي لا يعتبر الضوابط الاخلاقية من مخلفات الماضي... رتب أموره وأقام هو وطفلته في فندق بعد ان سلم منزله لشركة عقارات ستتولى مهمة تأجيره مفروشا، وعلى أرض المطار في البلد المضيف تلقى درسه الأول في العروبة، اختفت البشاشة وحسن الاستقبال المعتاد بعد أن أبرز هويته القديمة.. هويته العربية التي ظن انها ستوفر عليه الوقت والجهد في كسر حاجز الغربة وكسب الصداقات، في المطار احتجز لساعات، وفي الشركة تبدلت الأمور. لقد تفاجأوا بأنه عربي يحمل جوازا عربيا. لقد تعرضوا للغش، لم يقولوا ذلك صراحة. لكن ردود أفعالهم قالت أكثر من هذا؟ طلبوا مهلة لإعداد عقد جديد.. عقد كان له وقع الانفجار في نفسه.. الفيلا اصبحت شقة. والراتب تقلص للنصف أو أقل. والسيارة الفخمة مع السائق أصبحت سيارة قديمة من سيارات الشركة وعليه ان يقودها بنفسه. والسفر مرة واحدة بدلا من مرتين وعلى الدرجة العادية بدلا من الأولى... واختفى بند التأمين الصحي الشامل والكامل. والبند الآخر الذي يتكفل بدفع مصاريف صغيرته من الحضانة وحتى المراحل الدراسية المختلفة... لم يعترض. ولم يجادل. مزق العقد وحمل ابنته الصغيرة بيد واحدة وبالأخرى رفع جوزاه «الأميركي» عاليا ليراه الداني والقاصي.. وعادت الابتسامات العريضة تستقبله، والابواب المغلقة تنفتح أمامه بيسر وسهولة.. في المطار.. وفي كل مكان.

بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري