كتاب وأراء

يهودية الدولة وهوية المنطقة .. زوابع الرحيل والاستلام

بعد أيام سترحل إدارة أوباما وستتسلم المسؤولية إدارة ترامب. وقد رفض أوباما قبيل انصرافه الاستسلام لصورة البطة العرجاء التي تلازم رؤساء أميركا في الأيام الأخيرة من حكمهم حيث يبقى الرئيس في موقعه لكنه لا يتخذ أي قرار مؤثر مفضلاً أن يترك ذلك لمن يليه.
تحدى أوباما هذه الصورة واتخذ ثلاثة قرارات مهمة ألغى بالأول نظام الأمن الوطني لتسجيل الأجانب والذي ركز بشكل خاص على القادمين من 25 دولة 24 منها غالبيتها مسلمة.
وفرض بالثاني عقوبات على روسيا لتدخلها في الانتخابات الأخيرة. وامتنع بالثالث عن استخدام حق النقض فصدر عن مجلس الأمن قراراً أدان الاستيطان الإسرائيلي في سابقة غير مألوفة.
أراد أوباما بهذه القرارات أن يضع بعض العراقيل أمام ترامب الذي رأى أوباما أنه لم يكن ليصبح رئيساً لولا إسرافه في الكذب بمساعدة الرئيس الروسي بوتين. أثار أوباما بعض الزوابع في وجه ترامب قبيل إنصرافه. وسيستلم ترامب الرئاسة وستثور معه زوابع أكثر. لن يعرف شهر العسل الذي يمتد للمائة يوم الأولى للرئيس الجديد، بل سيكون ترامب أول رئيس منتخب يواجه برفض شعبي حتى قبل توليه المسؤولية.
والزوبعة الخاصة بقرار مجلس الأمن هي الأهم لمنطقتنا. فقبل رحيل أوباما اقترح عليه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر أن يبادر بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وأن تسهل واشنطن انضمامها الكامل إلى الأمم لمتحدة. لكن أوباما أدرك أن ذلك ليس سهلاً فاختار بديلاً أقل بالامتناع عن التصويت ليصدر قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان الإسرائيلي. وعلى الفور امتقع نتانياهو وأرغى وأزبد وأرغت وأزبدت معه كل الشخصيات والجمعيات المنحازة لإسرائيل في أميركا. وقد حاول وزير الخارجية الأميركي كيري أن يشرح لماذا اتخذت أميركا هذا الموقف. قال إن ما تدافع عنه أميركا هو مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية تعيش بسلام إلى جانب جيرانها وبيّن أن إسرائيل إذا رفضت حل الدولتين وامتنعت عن وقف الاستيطان فلن يكون أمامها سوى خيار الدولة الواحدة وهذه لن تكون يهودية. قال كيري كلاماً معظمه معقول. لكنه كان مثل كل كلام معقول قاله مسؤولون أميركيون خرج من أفواهم فقط وهم خارجون من السلطة. أما نتانياهو فلم يحتمل ما قاله كيري. تعجب كيف يعتبر المستوطنات تهديداً للسلام وكيف لم يهاجم الفلسطينيين الذين يرفضون إصراره على الاعتراف بيهودية الدولة. بل وتصرف مع كيري بصلافة فوصفه بأنه «تعامل بشكل مهووس مع المستوطنات». ولم يكن ترامب لينتظر طويلاً. فقد غرد على تويتر قائلاً «لا يمكن أن نواصل السماح بمعاملة إسرائيل بمثل هذا الازدراء وعدم الاحترام. كان لهم دائماً صديق قوي في الولايات المتحدة. ولكن لم يعد الأمر كذلك...ابق قوية يا إسرائيل... الـ 20 من يناير يقترب سريعاً».
وها هو العشرون من يناير يقترب وتقترب معه ملامح إدارة أميركية تصرح ولا تلمح بأنها ستدلل إسرائيل فوراً. إدارة ستجعل نتانياهو يتمسك بالأرض ويواصل الاستيطان ويصر على يهودية الدولة وكأن الفلسطينيين خرافة لا وجود لهم. ويهودية الدولة ليست إلا كارثة لن تزيد هوية المنطقة المشوهة إلا تشويهاً. فلماذا يحق لإسرائيل أن تكون يهودية بل وتطالب الآخرين أن يعترفوا بها دولةً نقية خالصة لليهود ولا يسمح بالشيء نفسه لباقي دول المنطقة لتكون لبنان مثلاً مسيحية أو مصر إسلامية؟ لماذا يطلب العالم من العرب احترام دولة المواطنة ثم يقبل أن تكون إسرائيل دولةً يهودية؟
وليس معلوماً إلى أي حد سيذهب ترامب في تدليل إسرائيل. لكن المتوقع أن يذهب بعيداً في ظل حالة عربية ضعيفة ومفككة وبدفع من انحيازاته المسبقة لإسرائيل التي لا تجعله يكترث بأية هوية في المنطقة سوى هوية إسرائيل. كثيرون يتوقعون تنفيذه قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس. وبالطبع سيزيد الدعم الاقتصادي ويرفع مستوى التعاون العسكري وسيتبنى موقف نتانياهو بشأن يهودية الدولة. نقل السفارة وحده سينهي عملياً أي معنى لقرار مجلس الأمن وسيثير باليقين زوابع جديدة. سنرى نتانياهو وهو ينفخ مزيداً من النار وسنرى ترامب وهو يشجعه. وسيتشجع الاثنان أكثر كلما توانى ضعفاء المنطقة في الدفاع عن هويتهم. والمؤسف في أمر هؤلاء الضعفاء أن كثيراً منهم لم يعد يقوى حتى على تجريم وتأثيم يهودية الدولة. لكن لا غرابة. فالتطبيع مع إسرائيل ماض بلا توقف ولا يمكن لمن لا يعرف قوته أن يقدر حجم الخطر الكامن في فرض يهودية الدولة على كل المنطقة.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات