كتاب وأراء

تجربة سنغافورة وتحديات السودان

(اخترنا دائماً الفرد أو العنصر الأفضل لأي مهمة أو واجب، مهما كانت انتماءاته أو أصله أو دينه، كنا نهتم بالنتيجة فقط، وكنا نعلم تماماً أن فشلنا يعني حروباً أهلية واندثار حلم). لي كوان يو. (مؤسس نهضة سنغافورة)
- 1 -
لفت نظري الصديق العزيز والكاتب الحاذق هاشم كرار للتجربة السنغافورية في الحكم والإدارة كنموذج يستحق الاقتداء به من قبل دولنا في العالم الثالث. في زمن قياسي استطاعت سنغافورة تجاوز واقعها البائس لتضع نفسها ضمن العشرة الأوائل لأكثر أسواق المال العالمية تقدماً، بسبب المناخ الاستثماري والنظم السارية.
استغلت سنغافورة موقعها الجغرافي المتوسط بين اليابان وأوروبا واندماجها الكامل في الاقتصاد الدولي، فأصبحت تستقبل 70 % من تجارة الحاويات في العالم، كما تحولت إلى واحدة من أهم المراكز المالية العالمية. مصدر نجاح التجربة في إدارة الحكم تقديم الاعتبارات الاقتصادية والتنموية على جوانب السياسة، حيث اعتمدت على بيروقراطية صغيرة الحجم ذات كفاءة عالية (قوامها حوالي 50 ألف موظف لا أكثر) وعلى درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة.
التعيين في مختلف الوظائف يتم عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع بينما يحصل موظفو القطاع العام على رواتب تنافسية مثل القطاع الخاص إن لم يكن أعلى.
في سنغافورة يوجد فصل تام بين الوظائف العامة والانتماء الحزبي، حيث تستند الوظيفة العامة إلى الكفاءة والنزاهة والأداء.
- 2 -
يستعد الرئيس السوداني عمر البشير لإعلان تشكيل وزاري جديد خلال الفترة القادمة.
التشكيل سيأتي بناء على توصيات الحوار الوطني الذي استمر لثلاث سنوات وضم عدداً كبيراً من الأحزاب السياسية والحركات المسلحة.
التسريبات والتصريحات الإعلامية أشارت لتنازل كبير سيقدمه حزب المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم في السودان، لسبعة وعشرين عاماً.
سبق للرئيس البشير أن طالب أعضاء حزبه للاستعداد للتغيرات القادمة التي ستفرض على الحزب التنازل عن بعض الحقائب الوزارية.
تصريحات البشير هيأت الأجواء للإشاعات والتخمينات، حيث رفع البعض سقف التوقع إلى أعلى مدى الرغبة. أهم هذه التوقعات كانت متعلقة بمنصب رئيس الوزراء، وهو منصب جديد على كأبينة القيادة الحاكمة في السودان.
هنالك من رشح الدكتور التجاني السيسي، القيادي الدارفوري الذي جاء إلى السلطة عبر اتفاقية الدوحة التي أشرفت على كل تفاصيلها الحكومة القطرية.
الترشيحات لم تستبعد احتمال أن يتم اختيار السيد مبارك الفاضل، القيادي السياسي المنشق على حزب الأمة القومي، تحت زعامة ابن عمه السيد الصادق المهدي.
المعطيات السياسية ترفع حظوظ التجاني لاعتبارات متعددة وتقلل من فرص مبارك المهدي لأسباب لا تخفى على المتابعين لمسيرة العلاقة بينه والحزب الحاكم.
- 3 -
رغم أن التقديرات السياسية لها أولوية في التشكيلات الوزارية بتحديد من يذهب ومن يأتي لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة السودانية الآن هو تحدٍ اقتصادي تنموي. إمكانات الحكومة السودانية الاقتصادية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الضرورية للمواطنين، خاصة عقب انفصال الجنوب وخروج أكثر من ثمانين في المائة من موارد الدولة (البترول) من دورة الاقتصاد.
ما يزعج الرأي العام السوداني أن التعيينات الحكومية المتوسعة في منهج التسويات، تظل ذات كلفة مالية عالية على خزانة الدولة، المنهكة أصلاً بشح الموارد، في هذه التسويات تتقدم الولاءات على مقياس الكفاءة.
- 4 -
ميْلُ كُلِّ الحكومات السودانية المتعاقبة لترضية النخب السياسية والقبلية على حساب رضا الشعب، تسبَّبَ في تكريس الفشل واستدامة العجز.
في عهد الحكومة الحالية اتَّسعت مساحة الترضيات، فأصبح الكثيرون يتوسَّلون للحكم والاستوزار عبر التمرُّد المُسلَّح أو الابتزاز القبلي أو إثارة الشغب الحزبي.
-أخيراً-
وضْعُ السودان الراهن يجعله في حاجةٍ مُلحَّة لوزراء بعدد محدود، من خارج النادي القديم، لهم الكفاءة والمقدرة على إيجاد حلول ذكية ومُبتكرة تنمي المتاح من الموارد وتبدع في خلق البدائل.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال