كتاب وأراء

الشقة الوطن!



مضى ما مضى مني في الغربة، ولم يحدث يوماً أن دق جرس باب بيتي، سوى مرات نادرة، وحينما طرق الباب مرتين، اعتبرت الحدث جللا.
كان شعوري أشبه بسائق سيارة دبلوماسي وقعت له حادثتين بنفس اليوم، لذا فقد فزعت في الطرقتين، فنحن لسنا معتادين كمغتربين، سوى على سماع رنين الهاتف، إن رن.
بالطرقة الأولى، سمعت دقات موازية، أظنها دقات قلبي، فانتفضت انتفاضة استفاقت معها روحي وتذكرت سورة الطارق ودعيت دعاء «إلا طارقا يأتي بخير» ومرت لحظات، ثم دخل علي زوجي وفي يده شيء! ولم نكن نتوقع أن يأتينا طارق مضاف إليه كعكة، فالأمر يحتاج لشرح طويل لأنه شاذ على قواعد الحال!
فحالنا ككثير من المغتربين يتصف بالانطوائية «وكل جار في حاله»، فمغتربو الخليج يعيشون في غربة داخلها غربة، غربة عن الوطن، عن الأهل والأصدقاء، المعارف والجيران، فقد تقلص معنى الوطن لدى بعض المغتربين ليصبح الوطن الواقعي هو الشقة التي يقتنونها!!.
وهل أملك القول ان المغتربين - أبدا- لا ينسون الوطن بما فيه من أصول وجذور وبيوت ومراتع قضوا فيها زمناً كانوا يحسبون أنهم باقون بأرضهم وأن الوطن بكل ما ومن فيه سيدوم؟ ثم يغمض الوطن عن المغترب عينه ليدرك المغترب أنه لم يعد لديه من هذا الوطن سوى ذكرى وأطياف.
كم قصور خالها الباني ستبقى وتدوم
ثابتات كالرواسي، خالدات كالنجوم
سحب الدهر عليها ذيله فهي رسوم
ما لنا نبني وما نبني لهدم؟
لست أدري
ومغتربو الخليج عادة لا يملكون رفاهية إطلاق أمثال من نوعية «اختار الجار قبل الدار» وحتى بالنسبة للدول الطاردة، فإن ترف اختيار الجار أو الإقامة ببناية سكانها كلهم أبناء عائلة واحدة أصبح ترفا تم نسيانه إلا أن مغتربي الخليج عادة ما يقتنون بنايات حبلى بسكان من جنسيات شتى، معظمهم آسيويون، سواء من الفلبين أو سواها. وعندما انضم لبنايتنا ساكن سوري جديد لم نفرح كما ولم نحزن، فقد تعلمنا كمغتربين أن نحيد مشاعرنا خشية أن تتضح في الأمور إمارات، لذا فمصطلح «مشاعر عدم الانحياز» مفهوم لدى عامة مغتربي دول الخليج!
لكن أذكر أنه كان لدينا جارة بحرينية، كانت نافذة مطبخنا تجاور مطبخها وتنبعث منه روائح طيبة من المكبوس والثريد، بالإضافة لعطور «دهن العود» وبخور «جبل علي» إلا أنها ما لبثت أن تركت البناية بعد شهرين من قدومي، وحلت مكانها عائلة هندية تنبعث من مطبخهم رائحة التوابل الهندية التي لا أفهم حتى الآن لما أغرت إنجلترا بغزو الهند!
عادة لا توجد علاقات حميمة بين الجيران المغتربين، إذ يتعاملون كأن الجار محطة صغيرة في الحياة لا داعي للوقوف لديها.. وإن سلمنا أن معظم العلاقات الإنسانية قائمة على المصلحة وبما أن المصالح تتصالح، فلنقل انه قد تعارف لدى المغتربين أنه من مصلحة الجميع ألا توثق أواصر علاقات الجيرة.. لذا، لا ينزعج الجيران من ندرة وجود علاقات اجتماعية تجمعهم، فهم كأعضاء الجامعة العربية، يريدونها هكذا!
وأوقن أنه لا ينكر أحد من المغتربين الأحاديث النبوية التي توصي بالجار، لكن يبدو أن المغترب يؤمن أن ثمة مجالات كسب الثواب أرحب من حصرها في الإحسان للجار، حيث من الممكن أن يتم تحصيل الثواب من منافذ أخرى، كالاشتراكات في الجمعيات الخيرية أو كفالة الأيتام بحوالات بريدية لا تكلف المغترب عناء بذل الوقت أو جهد العلاقات الاجتماعية المرهقة.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي