كتاب وأراء

استحقـاقات لـبـنـان.. معركة إقرار قانون جديد للانتخابات


بعد تشكيل الحكومة اللبنانية وعودة الحياة إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية في البلاد، ومع الاقتراب من استحقاق دعوة الهيئات الناخبة للبدء بالإجراءات التحضيرية للانتخابات النيابية في بداية حزيران المقبل، بدأت المعركة الفعلية بشأن ماهية قانون الانتخاب الذي ستجري على أساسه الانتخابات والتي ستقرر نتائجها شكل التوازنات الجديدة في البرلمان المقبل، وبالتالي طبيعة السلطة التي سيعاد تكوينها بناءً على هذه النتائج.
من الواضح أنه حتى اليوم لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الأطراف السياسية المكونة للحكومة والبرلمان على القانون الجديد، بسبب استمرار الخلاف بينها على طبيعة القانون. فمن المعروف أن تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي من المتمسكين بقانون الستين القائم، والذي جرت انتخابات عام 2009 على أساسه، وحصل كل فريق منهم على كتلة نيابية تتجاوز حجمه التمثيلي الفعلي، لأن القانون يقوم على أساس النظام الأكثري، أي من يحصل على أكثرية أصوات الناخبين في الدائرة الانتخابية يحصد كل مقاعد الدائرة، حتى ولو كان الخاسرون من المرشحين قد خسروا بفارق بضعة أصوات. كما أن تقسيم الدوائر على أساس الأقضية، قد تم على نحو يمكن هذه القوى من تحقيق هذه النتيجة. ولهذا فان القوى المذكورة لها مصلحة في الإبقاء هذا القانون لضمان الحفاظ على تمثيلها المضخم في البرلمان وإعادة إنتاج نفوذها في السلطة وبالتالي منع التغيير والإصلاح في النظام السياسي. غير أنها أمام المطالبة الواسعة باعتماد قانون يحقق عدالة التمثيل لجميع اللبنانيين عمدت هذه القوى إلى طرح قانون مختلط (نسبي وأكثري) يؤدي إلى نفس النتيجة التي تتوخاها، ما يعني التفاف على إصلاح قانون الانتخاب وإصرار على سن قوانين لا تحقق عدالة التمثيل.
وبالمقابل فان حركة أمل والتيار الوطني الحر وحزب الله يطالبون بتغيير قانون الستين واعتماد قانون يقوم على التمثيل النسبي في دوائر موسعة،يكون فيها مساواة وعدالة للجميع، أي أن كل طرف يتمثل بالنسبة التي يحصل عليها. ولكن لأن التوازن القائم حالياً في البرلمان لا يمكن هذه الأطراف من إقرار مثل هذا القانون، فأنها بدأت تطرح مشاريع قوانين تأخذ بالاعتبار مصالح الأطراف الأخرى، ومن هذه المشاريع، قانون التأهيل في القضاء على أساس النظام الأكثري، ومن ثم يتبارى الفائزون الأوائل في المحافظة على أساس النظام النسبي، وكذلك القانون المختلط يتم بموجبه انتخاب 64 نائبا على أساس التمثيل النسبي و64 نائبا على قاعدة التمثيل الأكثري، غير أن هذا القانون يختلف عن القانون المختلط الذي تطرحه القوات والمستقبل والتقدمي لناحية الدوائر التي سيعتمد فيها التمثيل النسبي والتمثيل الأكثري.
لكن في موازاة هذه الطروحات والخلافات بين الأطراف السياسية في السلطة هناك بدايات إرهاصات تحرك من قبل أطراف سياسية ومنظمات أهلية وشخصيات مستقلة لتشكيل قوة ضغط سياسية وشعبية لترجيح خيار قانون انتخاب ينسجم مع دستور الطائف ويعتمد النسبية الكاملة، ورفض القوانين التي تطرح، إن كانت المختلط أو التأهيل في القضاء، باعتبارها لا تحقق عدالة التمثيل وإنما تراعي مصالح الأطراف السياسية التي تريد الحفاظ على امتيازاتها في السلطة ومنع التغيير والإصلاح في النظام السياسي والذي لا يمكن أن يتحقق إلاّ من خلال قانون انتخاب على أساس النسبية الكاملة، يحفز على أوسع مشاركة كونه يشعر الناخب بان لصوته قيمة وأن مشاركته يمكن أن تسهم في تحقيق تطلعاته بالتغيير عبر الانتخابات، وبالتالي الخروج من الأزمة المزمنة التي يرزح تحت وطأتها اللبنانيون، والتي تتفجر كل عشر سنوات بسبب انسداد أفق الإصلاح السياسي والتداول السلمي للسلطة.
ويبدو أن العديد من القوى السياسية والأهلية ترى أن هناك فرصة لإحداث اختراق في قانون الانتخاب يجب العمل على الاستفادة منها، وتكمن الفرصة في وجود أطراف سياسية في الحكومة والبرلمان تؤيد إصلاح قانون الانتخاب ولا تتضرر من اعتماد النسبية الكاملة، فيما الأطراف المعارضة للنسبية الكاملة تعاني من أزمة، ولهذا إذا ما جرى توحيد جهود القوى السياسية والأهلية وتمكنت من تكوين قوة ضغط قوية في الشارع خلال هذه الفترة التي يناقش فيها قانون الانتخاب فانه بالإمكان إيجاد توازن قوى يمنع إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين أو قانون أخر يعطي نفس نتيجة الستين.
ولهذا فان البلاد تشهد حراكاً سياسياً لتكوين قوة الضغط هذه، حيث يجري العمل على التحضير لعقد مؤتمر وطني يجمع كل المؤيدين للنسبية الكاملة وتطبيق المادة 22 من الدستور التي تنص على انتخاب مجلس نواب وطني ومجلس للشيوخ على أساس طائفي باعتبار ذلك هو الحل الأمثل، لاسيما وأن مثل هذا المطلب يعزز موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أكد في خطاب القسم على تطبيق اتفاق الطائف بدون استنسابية أو انتقائية.
من هنا فانه الفترة المتبقية لإقرار القانون الانتخابي من الآن وحتى منتصف شهر شباط يتوقع أن تحتدم خلالها المعركة حول ماهية القانون الذي سيعتمد، وإذا ما نجح الحراك السياسي والأهلي والشعبي في تشكيل قوة ضغط حقيقية فانه سيكون من الصعب الالتفاف على مطلب إقرار قانون يعتمد النسبية الكاملة، أو سيكون على الأقل هناك إمكانية لتحقيق تغيير بنسبة معينة في القانون يفتح أفقا لإحداث تغيير ولو متدرج.
أما إذا فشل هذا الحراك في تشكيل قوة الضغط المذكورة فان ما هو متوقع أن يتم التوصل بين الأطراف السياسية في الحكومة والبرلمان إلى اتفاق تسوية حول القانون الذي ستجري على أساسه الانتخابات، لكنه قانون لن يحقق تطلعات اللبنانيين في التغيير والإصلاح.
من هنا فان التحدي اليوم الذي يواجه القوى الساعية إلى التغيير والإصلاح إنما يكمن في مدى قدرتها على وضع خلافاتها جانباً والعمل بعزم وقوة على التكاتف للاستفادة من الفرصة المتاحة لإحداث تغيير حقيقي في قانون الانتخاب. باعتباره الممر الإلزامي للخروج من الأزمة التي يعاني منها اللبنانيون. وإلاّ فان لبنان سوف يكون أمام عملية إجهاض لهذه الفرصة وإعادة إنتاج الطبقة الحاكمة المسؤولة عن الأزمات التي يعاني منها لبنان على الصعد كافة. ما يعني استمرار الأزمة.
بقلم : حسين عطوي

حسين عطوي