كتاب وأراء

شأننا جميعا

صار أغلب البشر المحيطين بنا إما حالات أو نماذج، اما الإنسان فقد أصبح نادرا.. الإنسان الذي تشعر بالدفء معه، الإنسان الذي يحفظ سرك ويحفظك ولا ينقلب عليك عند اول خلاف. الإنسان الذي يمد يد المساعدة لغريب دون ان ينتظر مكافأة من أي نوع مقابل هذه الخدمة. لقد تدهور كل شيء.. الامانة، الصدق، الاخلاص، قيمة العمل، قيمة الصداقة، كلها كلمات توجد في القاموس وعلى صفحات الحسابات الشخصية: تويتر والفيس بوك والانستغرام فقط.. بات معظم الناس يرفعون شعار «هذا ليس من شأني» اذا صادفوا حادثة تستدعي التدخل السريع والفوري، حادث سرقة أو سيارة أو مشاجرة، ويكتفون بتأريخ هذه الحوادث «بتصويرها» ونشرها للتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. أو بالحديث عنها كأبطال اكتفوا بالفرجة والاسف والتعاطف الذي لا يكلف شيئا.. ولن انسى أبدا تلك السيدة الشجاعة التي اتهمت زوجها المدمن بالاعتداء الجنسي على طفلة من زوجة سابقة، وواجهت العاصفة وحدها ولم تتراجع عن اتهامها، وحتى بعد ان ثبت صحة هذا الاتهام، طلقها الزوج وقاطعتها القبيلة، ولم يرحمها الرأي العام وقالوا انها متطفلة ولا حق لها في التدخل فهي مجرد زوجة أب ليس الا.. وانها عدوة نفسها وعدوة للبشر.. إن الإنسان الصريح والجريء في قول الحق ومواجهة الاخطاء ليس عدوا للبشر كما قال الفيسلوف الفرنسي «جان جاك روسو» بل هو صديق لهم. فليس عدوا للبشر من يفضح عيوبهم ويهاجم رذائلهم، وهو لا يفعل ذلك الا لاهتمامه بأمرهم، وعدو البشر والإنسانية ذلك الذي يجامل الجميع ويرضي الجميع، فيكون في مواقفه من الناس ما يشجع الاشرار على شرورهم، ويتملق فيهم تلك الرذائل التي تهد وتنخر كيان المجتمع، ويعلن رضاه عن كل ما يراه ويعتبره حسناً، لأنه ببساطة لا يحرص على أن تصبح الحياة أفضل. كما أنه يعلن اعجابه بالجميع لأنه في الحقيقة ليس معجبا بأحد، يستنكر شكوى الناس من الجوع مادام هو جالسا على مائدة حافلة، ويستنكر مد يد العون لمحتاج ما دام جيبه عامرا بالمال، يغلق على نفسه باب منزله ويتفرج من نافذته على بيوت غيره وهي تتعرض للسرقة. ولا يعبأ بذلك.. فهو لا يجد مبررا لمحاربة الشر طالما الشر لا يصل اليه، ومثله في ذلك مثل «الايرلندي» الذي شبت النار في البيت الذي يسكن فيه فقال: «وماذا يعنيني في ذلك فلست انا مالك البيت؟ حتى إذا وصلت النار إلى فراشه، انطلق يعدو ويصيح، وقد أخذ يدرك انه من الخير لنا ان نهتم بأمر البيت الذي نعيش فيه، ولو لم نكن له مالكين.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري