كتاب وأراء

«الغيتو» الإسرائيلي ..إلى أين؟

يكثر الحديث عن مشاريع ومخططات لإعادة النظر في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. ويتناول هذا الحديث كل دول المنطقة.وحدها اسرائيل مستبعَدة من الخرائط الجديدة التي تتنافس مراكز الدراسات والأبحاث في الولايات المتحدة على وضعها. غير ان اسرائيل تسارع الخطى في التحول من الصهيونية إلى اليهودية. أي من دولة مدنية إلى دولة دينية.. وكلما تقدمت في هذا الاتجاه تتراجع امكانات التسوية السياسية مع السلطة الفلسطينية. ويتقدم مخطط الاستيطان والتهويد وضمّ الأراضي المحتلة، ويتراجع مشروع حلّ الدولتين الذي كانت الأمم المتحدة قد أقرتّه للمرة الأولى في عام 1947، عندما كانت فلسطين تعيش أيامها الأخيرة تحت الانتداب البريطاني.
خلافاً للصورة المتداولة في العالم العربي، لا يوجد اجماع في اسرائيل على المضي قدماً في هذا التحول. والانتخابات البرلمانية المقرر اجراؤها في الربيع المقبل قد تحسم هذا الأمر.
لقد مرّ على رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتانياهو ثلاث دورات رئاسية حتى الآن. وفي كل دورة كان يقدم تنازلات جديدة لأحزاب اليمين الديني حتى يكسب تأييدها في الانتخابات البرلمانية وفي رئاسة الحكومة. وبذلك اصبح اليوم أسير برنامج التهويد الذي يتناقض مع المبادئ المدنية الصهيونية التي انتزعت فلسطين من أهلها، وقامت اسرائيل على أساسها.
يعترض اليوم كثير من المفكرين السياسيين الاسرائيليين، ومن قادة حزب العمال تحديداً، ان اسرائيل تتحول، بل انها تحولت فعلاً إلى غيتو يهودي منغلق على ذاته. وهو ما حذر منه قادة الحركة الصهيونية ودعوا إلى وجوب تجنبّه.
ويقوم هذا الاعتراف ليس على أساس الخوف من مقاومة فلسطينية، أو من رد فعل عربي عسكري (مع الأسف)، ولكنه يقوم على أساس التحولات في الرأي العام الدولي. وتتمثل هذه التحولات في ارتفاع عدد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية، وفي ارتفاع عدد البرلمانات في العالم التي تدعو حكوماتها إلى الاعتراف بهذه الدولة. وكذلك في ارتفاع عدد الجامعات حتى داخل الولايات المتحدة ذاتها إلى مقاطعة الجامعات الاسرائيلية على خلفية تواطئها مع السلطة الاسرائيلية بانتهاك القانون الدولي وبانتهاك حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
ولا شك في ان الضربة القاضية التي تلقتها حكومة نتانياهو جاءت من قبضة مجلس الأمن الدولي الذي أقرّ بالإجماع إدانة بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو أول قرار من نوعه يصدر عن مجلس الأمن الدولي يدين اسرائيل من دون أن يصطدم بالفيتو الأميركي وحتى من دون اعتراض أي دولة!!
انطلاقاً من ذلك، قام تحالف سياسي – انتخابي جديد بين حزب العمال الذي يترأسه اسحق هيرتزوغ وبين وزيرة العدل السابقة ليزبي ليفني التي تولت مهمة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية في الحكومة السابقة.
ويتلاقى مع هذا الثنائي الحزبي الرئيس الاسرائيلي الحالي روفين ريفلين الذي يأخذ عليه المتشددون والمتطرفون الدينيون استعماله عبارة «الحقوق العربية». وكأن لا حقوق لعرب فلسطين مسلمين مسيحيين في قاموسهم السياسي – الديني!!.
ويوحي هذا التحالف بإمكانية تجاوز مرحلة نتانياهو ليس حباً بالفلسطينيين، ولكن خوفاً على اسرائيل من أن تصبح مرذولة ومرفوضة على المستوى العالمي.
يقول هرتزوغ – وهو ابن وزير الدفاع الاسبق – ان نتانياهو يقود اسرائيل إلى طريق مسدود ونحو المجهول. وانه بذلك يعزلها عن العالم.. ويعمق من انقساماتها الداخلية.
وفي مقال صحفي كتبه المعلق السياسي الاسرائيلي أوفر كانينغ، قال ان علينا في الانتخابات المقبلة ان نختار بين أن نكون أمة صهيونية ليبرالية، أو أن نعود إلى الانغلاق العنصري الوطني.. انني أخاف على مصير الديمقراطية عندنا .
غير ان نتانياهو لا يقف مكتوف الأيدي متفرجاً أمام هذه المواقف المستجدة والأصوات المرتفعة. فهو ينفخ في أبواق التحريض على كراهية الفلسطينيين خاصة والعرب والمسلمين عامة، ويؤكد على سياسته التي تقوم على أساس ان الحل لا يتحقق الا بالقوة (تعزيز القوات الاسرائيلية بمزيد من الغواصات الألمانية وبطائرات الشبح الأميركية) وهو يراهن على ان الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، انطلاقاً من كراهيته للمسلمين (وليس بالضرورة من حبه للاسرائيليين)، سوف يعمل على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، مما يعطي دفعة قوية وعملية لمشروع التهويد.
غير ان نتانياهو يعرف ان ثمة قنبلة فلسطينية موقوتة قد تنفجر فيه وفي مشروعه. وهي قنبلة غزة. وحتى لا تنفجر هذه القنبلة بين يديه، يحاول جاهداً تفجيرها بين يدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي بلغ الثمانين عاماً هذا الشهر، والذي مارس السلطة (؟) طوال عقد كامل دون أن يتوصل إلى أي تسوية مع اسرائيل أو إلى أي تفاهم مع قادة حماس في غزة.
الغيتو الاسرائيلي اذا لم يجد من يخنقه فانه كفيل بأن يخنق ذاته بيديه!.
بقلم : محمد السماك

محمد السماك