كتاب وأراء

استهداف تركيا وموقف النخب العربية

تحشد العواصم الأوروبية والغربية قواتها الأمنية والعسكرية والاستخباراتية استعدادا لرأس السنة الميلادية ولمنع حدوث اعتداءات إرهابية على أراضيها. وتستنفر القوى العالمية كل طاقاتها وقواها من أجل منع تسلل العنف إلى أراضيها والوقوف أمام قوافل فرق الموت الصناعية والطبيعية التي يحرك الجهل جزءا منها ويحرك الجزءَ الأكبر أجهزة استخبارات عالمية وإقليمية أتقنت اللعبة منذ عقود.
لكن الإرهاب ضرب هذه المرة تركيا بشكل لا يخفى معه مدى الاستهداف الذي تتعرض له هذه الدولة خاصة بعد الانقلاب الفاشل الصيف الماضي. الإرهاب في كل مكان حاضر بالفعل وبفعل الموت وحاضر خاصة بالخطاب وبالتجييش الإعلامي الذي لا ينقطع ربطه للجريمة والمجرم بالإسلام والمسلمين وهكذا أريد له أن يكون مدخلا لاستعمار المنطقة من جديد ونهب ثرواتها وثروات أبنائها لكنه هذه المرة مدخل من مداخل الفوضى التي تمنع نهضة الدول.
فالتجربة التركية تجربة ناجحة بكل المقاييس سواء منها الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية وذلك باعتراف خبراء من خارج تركيا لكن رغم هذا النجاح الكبير الذي حققته أنقرة في فترة زمنية وجيزة فإنها لم تحض بتقدير النخب العربية التي لا تزال تخلط خلطا غريبا بين أحقادها الإيديولوجية من ناحية وبين القراءة الموضوعية للتحولات التاريخية.
كثيرة هي النخب العربية التي تصف تركيا بالأخونة وبأنها صانعة للإرهاب وراعية له وهي نخب لا تنطق عن استقصاء أو بحث أو تدقيق بل تسعى لشيطنة خصم لا تفق معه في تصوراته ورؤاه. فالقول بأن تركيا إخوانية وبأنها راعية للإرهاب قول لا يصمد أمام أبسط المعطيات التحليلية مثل عدد الهجمات الإرهابية التي قام بها تنظيم داعش الإرهابي على الأراضي التركية والتي اعترف بها بنفسه مثل اعتداء اسطنبول الأخير. فكيف يضرب التنظيم الدولة التي احتضنته ومولته ودعمته؟ أو بالأحرى كيف تضرب تركيا نفسها؟
الأسئلة لا تحتاج إلى جواب بل هي في الحقيقة تكشف خواء التصورات العربية عن تركيا التي نجحت في الخروج من طور الدولة المتخلفة بأن أسقطت حكم العسكر وحققت نقلة اقتصادية واجتماعية كبيرة جلبت لها الأحقاد والمؤامرات. تركيا من جهة أخرى نموذج للدولة المسلمة وللديمقراطية الناشئة في منطقة تصل المشرق العربي بالغرب وتربط قارة أوروبا بقارة آسيا. تركيا دولة مستهدفة بالإرهاب أكثر من غيرها لأنها تمثل مثالا لا يراد له النجاح خاصة بعد انخراطها في علاقات القوة مع الامبراطوريات الاقليمية التي تحكم المنطقة منذ عقود.
هذا الانخراط القوي للاعب التركي على الساحة الاقليمية والدولية هو الذي جعل من تركيا هدفا للتنظيمات الإرهابية الدولية ذات الخلفية الاستخباراتية.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد