كتاب وأراء

عين الرأفة

معنى ان تعيش كما قال الشاعر الفرنسي»جاك بريفير» هو أن تحب، ومعنى ان تحب هو أن تتفهم، ومعنى ان تفهم هو أن تردد كلمة الحمد لله، وتقولها في السراء والضراء والنعمة والبلاء.
إن الحمد يديم النعم والجحود يزيلها، والعطاء مهما كان قليلا يعود على المرء بخير كثير بخلاف الرضا عن النفس، ومن القصص التي تركت أثرا في نفسي في مرحلة مبكرة من العمر قصة زوجين فقيرين طاعنين في السن، لا يملكان شيئا على الاطلاق، لا يملكان أرضا ولا بيتا ولا سلة ولا خبزا، لا شيء على الاطلاق، ولم يكونا يشكوان من الجوع بقدر ما كانا يحلمان بأربعة جدران تضمهما معا، أربعة جدران تضمن لهما بعض الخصوصية وبعض الدفْ.. وفيما كانا سائرين على الطريق وقد جردهما البرد والجوع من أية رغبة في الحديث، وقعت أبصارهما على قط هزيل جلده ملتصق بعظامه ويدل حاله على البؤس وبالكاد كان يستطيع أن يموء، ولأن البؤساء يتعاطفون مع بعضهم البعض ومع كل الكائنات الحية، فقد رقا لحاله وبلا تفكير أعطياه ما حصلا عليه من هبات المحسنين، ولم يكن كثيرا، لكن القط كان قنوعا فما أن شعر بالشبع حتى سار أمامهما وعيناه تطلب منهما أن يتبعاه، وقادهما القط إلى كوخ قديم مهجور، وهناك وجدا كرسيين من الخشب قديمين، وموقدا، ولاح ضوء القمر في الكوخ لحظة قصيرة ثم توارى وتوارى معه القط، فظلا وحدهما جالسين في الظلام الحالك أمام الموقد الاسود وتمنيا لو كان لديهما قطعة من الحطب أو الفحم ليتدفئا بها فقد كان البرد شديدا ولا يحتمل وينخر في عظامهما.
وفجأة وكأن الله استجاب دعاءهما، اشتعلت في الموقد فحمتان صفراوان كالذهب، ففرك الرجل العجوز يديه مغتبطا وقال لزوجته: أتشعرين بهذا الدفء اللذيذ؟ ومدت يداها حول النار وهي فرحة وقالت: «نعم ولكن هلا نفخت عليها قليلا لتشتعل اكثر!! لكن الزوج العجوز رفض هذا الطلب خوفا من ان تنطفئ تلك النار لو نفخ عليها، وراح الزوجان يتبادلان القصص والحكايات بغير كآبة فقد كان منظر الفحمتين المضيئتين يبعث في نفسيهما الغبطة والارتياح.
لقد كانا قانعين بالقليل، سعيدان بما حصلا عليه، وظلا كذلك حتى الصباح فلما طلع الفجر رأيا القط في قلب الموقد ينظر اليهما بعينيه الذهبيتين الواسعتين، وعلما انهما كانا يستدفئان من تينيك العينين طوال الليل.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري