كتاب وأراء

عام سوري دون دم فقط

كانت لتكون بداية عام جديد استثنائية في تاريخ السوريين بعد ست سنوات من الموت اليومي، لو أن وقف إطلاق النار الشامل الذي تم التوقيع عليه بين تركيا وروسيا قد تم فعلا على أرض الواقع، كان يمكن للسوريين أن يستعيدوا بعض الأمل بأن حياتهم يمكنها أن تستمر دون رعب صوت الطائرات الحربية ومشاهد الدخان والتدمير ورؤية الأشلاء الممزقة وروائح الدم البشري الطازج، والخوف من تشرد مفاجئ، والخوف من مستقبل مجهول تماما.
كان يمكن لهم أن يتبادلوا التهاني بالسنة الجديدة وقلوبهم مفتوحة للحياة لأول مرة منذ عدة سنوات، كان يمكن ذلك لو أن محترفي القتل ومرتزقته التزموا فعلا بوقف إطلاق النار كما أريد له، غير أنه لم تمض ساعات قليلة على سريان الهدنة حتى تم اختراقها في من قبل النظام السوري وحزب الله في القصف على وادي بردى بغية (تنظيفه) وتهجير ثواره وعائلاتهم إلى أدلب، ومن قبل بعض الكتائب المسلحة في الجنوب السوري التي سيوقف الحل السياسي، إن حصل مع وقف إطلاق النار، مصدر رزقها وتعيشها من الوضع الحالي.
ورغم أن الاتفاق الذي تم التوقيع عليه بين روسيا وتركيا وباركته أميركا والجامعة العربية وضع السوريين جميعا أمام حقيقة كانت لتكون صادمة لو أن السوريين عموما لا يعانون من المنعكس السلبي للحرب والموت.
حقيقة أنه يتم التعامل معهم بوصف سوريا دولة مقسمة ومحتلة، فالاتفاق تم بين تركيا المسيطرة على الكتائب المسلحة في الشمال السوري
وروسيا تحتل قسما من سوريا الموجود تحت سيطرة النظام، وقواتها وآلياتها العسكرية تنتشر في أرجاء هذا القسم كما تفعل أية دولة وصاية أو انتداب أو احتلال، خصوصا مع خضوع السماء السورية لطائراتها ومع الاتفاقات التي تعقدها مع إسرائيل منعا لحصول أي تصادم جوي بين الدولتين، رغم كل ذلك، ورغم إغفال منطقة مهمة من الاتفاق وهي منطقة الجزيرة السورية وتحديدا الرقة ودير الزور حيث تسيطر داعش على المدينتين، فإن اتفاق وقف إطلاق النار جعل السوريين يتنفسون الصعداء وسط واقعهم المزري سواء داخل سوريا أو خارجها، فبالنسبة للغالبية العظمى من السوريين، فإن وقف القتل وتوفير الدم السوري هو أقصى الأحلام حاليا، وكل ما عداه يبقى تفاصيل تناقش بعد وقف نزف الدم وتهديم المزيد من المدن وتشريد ما تبقى من السوريين في أصقاع الأرض، ما كان لافتا وسط كل هذا هو مطالبة الائتلاف السوري- الذي استيقظ أعضاؤه فجأة على توقيع الاتفاق- السوريين في الداخل بالعودة إلى الثورة السلمية والخروج بمظاهرات تطالب بإسقاط النظام، مثلما كان لافتا احتفال دائرة النظام بالانتصار النهائي، وهو ما يثبت فعلا أن سوريا في مكان ومن يمثلها سواء في المعارضة أو النظام في مكان آخر تماما.
بقلم :رشا عمران

رشا عمران