كتاب وأراء

لا نحن ولا اليابانيون مرتاحون

كلما تبحث في جذور ازمات بدول عربية ستجدها ترد بسهولة إلى الزيادة السكانية المتوالية التي تلتهم كل جهد اضافي لتحسين الاحوال، ولا يمكن في هذه المجتمعات ان تعزى هذه الزيادات السكانية إلى ان احوال الاسر فيها على ما يرام، وان الطلاق منخفض المنسوب، وان الحب بين الزوجين بخير، فلا علاقة البتة بين الزيادة السكانية والحب، بل غالبا تكون هذه الزيادة سلوك «ارنبي» تلقائي، أو لأن الجنس بهذه المجتمعات فاكهة الفقراء، أو لسيادة سلوك زواجي مغلوط تلجأ اليه الزوجات لتقييد حرية الزوج في الطلاق أو الزواج من اخرى أو ما شابه .
في المجتمعات المتقدمة، أو التي ترفل في براح اقتصادي من انتاج عقول وسواعد شعوبها، لا يكون الجنس فاكهة الاثرياء، بل في حياة افراد هذه الشعوب فواكه متعددة الانواع والمنابت، وربما لا وزن كبير ولا رغبة في الابوة أو الامومة، ولا تشوق لتكوين اسرة، ولهذا بدأت هذه المجتمعات تدفع حاليا اثمانا باهظة لسلوك الثراء، على النقيض من الثمن الذي تدفعه مجتمعات الفقر والتخلف من سلوكها «الارنبي» في الزيادة السكانية بغير حساب، فلا المتقدمون الاثرياء مرتاحون لانخفاض مواليدهم، ولا الفقراء المتخلفون هانئون بما يرزقهم به الله العلي القدير من بنوة واسعة هي زينة حياتهم
انظروا اوروبا حاليا ستجدوها تبكي على زمن العفة الاسرية المنضبطة التي تتوق إلى الابوة والامومة السليمة، وانظروا ما ذكرته وسائل إعلام يابانية من إن عدد المواليد السنوي في اليابان سيقل عن مليون مولود هذا العام للمرة الأولى منذ بدء التسجيل في عام 1899 وهو ما يعكس مجتمعا يتجه للشيخوخة بسرعة وارتفاع تكلفة رعاية الأطفال.
اليابانيون بطبعهم لا يمررون مثل هذه الظواهر بغير دراسات عميقة تسبر الاغوار، وتبحث في الاسرار، فقد قالت وسائل اعلامهم إن من أسباب تراجع أعداد المواليد انكماش عدد النساء في العشرينات والثلاثينات من العمر، علاوة على انخفاض معدل الخصوبة، بينما سيزيد عدد الوفيات على المواليد للعام العاشر على التوالي.
ومن هنا ادرك اليابانيون ان عزوفهم عن الحروب، وتفضيلهم السلام والحل السلمي للازمات، وشراء امنهم بأي ثمن، وعدم الانخراط العسكري في اية ازمات اقليمية أو نزاعات دولية لا يضمن لهم حياة سعيدة، ففي زمن اللاحروب صار يقل عدد الفتيات اليابانيات ويزيد عدد الفتيان والرجال، لان الاخيرين لا يقتل منهم كثيرون في الحروب، ولا يفضل كثير من الشباب الياباني ان يتزوج غير اليابانيات، ومن ثم فهناك أزمة ديموغرافية تقلق بلاد الشمس المشرقة، اما نحن في بعض عالمنا العربي، فالحروب والصراعات استهلكت كثيرين كانوا في ريعان أو زهرة شبابهم، لذا فمعاناتنا ربما على العكس من معاناة اليابانيين، فلدينا فائض من النساء الارامل والثكالى واليتامى، وانخفاض في اعداد الشباب بمجتمعات معينة .
ورغم كل ذلك لا نلتفت إلى ما تفعله الاختلالات الديموغرافية في مجتمعاتنا، فطالما توفر السلوك الارنبي فلا توجد هناك مشكلة، أو هكذا نتوهم .
بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي