كتاب وأراء

جنون الأرقام القياسية

من طبيعة الإنسان أنه يفرح بتحقيقه، أو من يعز عليه أو وطنه، رقما قياسيا في ميدان ما، ففي هذا مجال للتميز والتفاخر، فليس كل فرد أو مؤسسة أو بلد يستطيع أن يحقق رقما قياسيا في مجال معين. أما الموسوعة الشهيرة «غينيس العالمي للأرقام القياسية» فتعتمد أحكاما لقبول وفوز الشيء الذي يرشح لاعتباره قياسيا، وهي تضع شروطا لعل أهمها تحذيرها بأن «محاولات تحطيم الأرقام القياسية أو تسجيل أرقام جديدة مهمة خطرة».
بطبيعة الحال فإن الموسوعة تهتم بأمور من قبيل أطول وأقصر وأكبر وأصغر وأقدم وأسرع شيء في هذا الباب أو ذاك، وبطبيعة الحال يسعى من يعتقد أنه يمتلك ما لا يمتلكه الآخرون من صفات وأمور إلى المشاركة أملا في الحصول على اعتراف هذه الموسوعة الأكثر شعبية بتميزه وتفرده. هذا يفوز بامتلاكه أطول لسان، وذاك يفوز بقدرته على قطع أطول مسافة سيرا على الأقدام حافيا أو على عكازتين، والثالث يفوز لأنه «أمتن» رجل في العالم أو الأكثر وزنا أو الأكثر هزالة أو الأقصر أو الأطول أو حتى الأقبح... الخ. وإذا كانت مثل هذه المشاركات «مهضومة» حسب لهجة إخواننا اللبنانيين فإن ما لا يمكن هضمه واستيعابه هو سعي البعض – أفرادا وشركات وأحيانا دولا – إلى التميز بتحقيق أمور لا قيمة لها ولا يأتيه منها أي ربح بل على العكس قد تكلفه الكثير، فأي ربح يمكن أن يتحقق من خلال إعلان فريق التحكيم بموسوعة غينيس بأن هذا البعض تمكن من صنع أطول نقانق في العالم أو أكبر صحن تبولة أو حلوى أو معكرونة؟ خصوصا وأن ما يتم صرفه من أموال بغية تحقيق هذا الأمر يمكن أن ينقذ آلاف الأطفال من الموت جوعا في بعض الدول ويوفر لمئات المشردين بيوتا وللعاطلين عن العمل الكثير من الوظائف؟
أي ربح يعود على الوطن لو أن مجموعة من أبنائه أضاعوا جزءا كبيرا من الوقت والمال والجهد بغية تحقيق تميز دون القيمة ينتهي بإعلان لجنة التحكيم بأن ما قاموا به هو الأطول أو الأقصر أو الأكبر أو الأصغر أو غير ذلك من تفضيلات ويدون في مجموعة غينيس؟ ماذا يعني للوطن أن يعلم العالم بأنه «تمكن» من صنع أطول قالب حلوى أو سلسلة ذهب أو سندويتش أو أنه صنع أضخم شجرة تحتوي أوراق الزينة أو الهواتف المحمولة أو غير ذلك؟
التميز العاقل لا يكون في هذه الأمور، دون أن يعني هذا عدم فائدة هذه الموسوعة العالمية، فهي مفيدة ومجال لتدوين التميز والتفاخر به وباب للتحفيز والإبداع، لكن هذا ينبغي ألا يدفع إلى اعتبار تحقيق مثل تلك الأمور غير ذات القيمة تميزا ومجالا للتفاخر خصوصا عند الدول. لماذا لا يسعى الساعون في بلداننا إلى دخول الموسوعة بإنقاذهم ملايين البشر من الموت جوعا وفقرا أو حفر آبار أو بناء مساكن للفقراء والمساكين؟ أليست هذه مجالات أهم للتميز والتفاخر؟

بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن