كتاب وأراء

مواطن بين ثقافتين

رأس المال الاجتماعي هو مجموع ما ينفقه الإنسان على نفسه لتحسين وضعه الاجتماعي أو تموضعه داخل المجتمع والانفاق هنا ليس ماديا فقط وانما سلوكيا ومعنويا كذلك. اما العنف الرمزي فهو ما يمارسه البعض على البعض نتيجة تمايز وضعهم الاجتماعي أو الطبقي كأن يركب احدهم سيارة فخمة وسط قرية لا يمتلك اهلها الا الوسائل البدائية كوسيلة للمواصلات فتأثير ذلك عليهم يندرج تحت ما يسمى بالعنف الرمزي والامثلة كثيرة في هذا المجال.المواطن الخليجي والعربي بشكل عام موضع جلي لتمظهر هذين المؤشرين على شكل معادلة معكوسة تتمثل في اضمحلال راسماله الاجتماعي داخل مجتمعه وازدياد سطوة العنف الرمزي عليه من جهة اخرى من خلال بروز اشكال وتصرفات واخلاقيات مادية ومعنوية تدل بشكل واضح على حالة من الاستعلاء في مقابل حالة من الضعف وقلة الحيلة، بينما الوضع الطبيعي هو العكس حيث من المفروض ان يزداد وضع المواطن الاجتماعي ثراء وتتناقص بالتالي حدة سطوة العنف الرمزي الموجه اليه لو ان هذه المجتمعات تسير في الوجهة الصحيحة لها. حتى في المجتمعات التقليدية كمجتمعاتنا الخليجية التي تعتمد على الارث التاريخي للعائلة أو القبيلة أو الافراد كرأسمال اجتماعي لم يعد ذلك واضحا وانما الواضح ان ذلك في انحسار وليس سبب ذلك تطور البنى التقليدية للمجتمع بقدر ماهو سياسي الطابع وامني الانضباط وتبعا لذلك يأتي طرف المعادلة الاخر وهو تزايد العنف الرمزي باشكاله المختلفة وهو عنف كما قلت يؤذي نفسيا وقد لايؤذي بدنيا ويأخذ شكلا اوضح حيث يبدو التمايز فج الظهور ويتجه المجتمع بالتالي إلى الانقسام أو الانشطار إلى طرفين رويدا رويدا. استطاعت مجتمعاتنا في السابق الاحتفاظ بوضع اجتماعي جيد لمواطنيها بعد ظهور النفط يجعل منه رأسمالا حقيقيا لهم والمعروف انه قبل النفط كان الجميع على قدر ومسافة واحدة من الثروة والجاه الاجتماعي الامر الذي هون من الاختلال المادي بينهم كأفراد وعوائل ومع الوقت كان المعول لهم هو راس المال هذا في تبنيهم لقضايا مجتمعهم حيث المكانة المميزة لهم جعلت الكفة تميل لصالحهم على جميع الحسابات والمعايير المادية التي قد يعبر عنها راس المال المادي والحقيقي وبالتالي كانت مظاهر العنف الرمزي اقل بكثير مما هي عليه اليوم فكلما ازداد حجم راس المال الاجتماعي للافراد «المكانة الاجتماعية وتاثيرها» كلما خف تعريضهم للعنف الرمزي الذي يكشف تباين المجتمع حيث تعريض أو تعرض الشرائح الكبرى فيه للالم النفسي والشعور بالدونية وبانعدام التأثير.
اود ان انبه هنا إلى ضرورة المحافظة على راس المال الاجتماعي للافراد واهل البلد بالشكل الذي لايضع الحاضر في مقارنة أو مواجهة مع الماضي لان الحاضر اغنى واوفر واكثر ثراء الامر الذي سيؤدي بالتالي إلى اضمحلال اشكال العنف الرمزي التي بدت تظهر وتبدو اكثر وضوحا من ذي قبل. مواطن العنف الرمزي مواطن منهك لاينتج ووطن العنف الرمزي وطن بلا مستقبل. لقد عاشت اجيال لاتملك سوى مكانتها الاجتماعية كرأسمال، كانوا اغنياء به واليوم هناك من يملك كنوز الدنيا ولكن لا راسمال اجتماعي له داخل وطنه وصوته لايكاد يصل اذنيه. خطورة هذه المعادلة بين هذين المؤشرين انها تعكس صحة المجتمع نفسيا واجتماعيا اذا كانت في وضعها الصحيح بازدياد راسمال المجتمع الاجتماعي وبانخفاض نسبة تعرضه لاشكال العنف الرمزي اما اذا انعكست هذه المعادلة فنحن امام مجتمع يذبل رويدا رويدا وقد ينتهي إلى وضع يصبح من الصعب اطلاق صفة المجتمع ذاتها عليه.

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر