كتاب وأراء

وهل كنت بخير ؟

فاجأني أحدهم قبل أيام: لماذا كل هذا التشاؤم؟ قلت: من أين يأتي التـفاؤل؟ أحـمد الـلـه تعالى عـلى نعـمه التي لا تحـصى، أعـطاني فـوق ما أســتحق، ولكن! كيـف يـمكن فصل العام عن الخاص؟ أنا من الجيل الذي تعـلق بالثـقافة، وبها اكتـسـبنا الوعي، فصار الوعي وبالاً عـلينا، وصـرنا «نشـقى في النعـيـم بعـقولنا» كما قال المتـنبي، حتى إننا صـرنا أحياناً نتمنى علاجاً يمسح الذاكرة لنتخلص من الوعي والثقافة.
احتفـل العالم كله وبعـض العـرب قبل يومين بالسـنة الجديدة، وتبادلوا الأمنيات بالعـام الجديد، وكلمـة التهنـئة الأكثـر ذيـوعـاً وانتـشـاراً «كل عـام وأنـت بخيـر» والواو في «وأنـت» تـوحي بالاسـتمرارية، فهل كنت بخـير في العـام الذي مضى لأظل بخير في العام الجديد؟
ها بلـدي سـوريـة ركام من الخـرائـب والجثـث، ويعلـم الـلـه وحده متى سـيعـود وطن الدفء والجمال والياسمين، أو إن كان سيعود. هؤلاء أهلي، يؤلمني ما يؤلمهم، ويفرحني ما يفرحهم ويحزنني ما يحزنهم. كيف سـأكون بخير والشـاشات تصفعـني ليل نهار بصور الهاربـين من الموت والدمـار «مـن لم يمـت بالقـصف مات بغيره». كيف سـأكون بخيـر وأنا أرى الأطفـال يموتون جوعاً، ينخر الصقـيع عـظامهم الطرية فلا يجدون ما يدفئون به أنفسـهم في عواصف ثلجية.
تجمعـت أمم الأرض في بلدي.. يتـقاتـلون.. يحاربون بأنفسـهم أو عن طريق وكلائهم.. لا شيء يتوفـر أكثـر من الرصاص والدم والموت.. أطفال بلدي يتسـولون، أو يعملون فيـما لا يليق بطفولتهم، ونساء بلدي صرن شحاذات ووسيلة للمتعة باسم الزواج.
هل عجز المجتمع الدولي المنافق عن حماية هؤلاء؟ يهربون من الموت إلى الموت في البحر مغامرين ليصلوا إلى بر الأمان ولا يصلون. يهربون من الموت، فتُغلق الحدود في وجوههم، وهل عجز 1.5 مليار مسـلم عن إغاثة هؤلاء؟ أين «المسـلم للمسـلم كالجسـد الواحد إذا اشتكى منه عـضو تداعـت له سـائر الأعضاء بالسـهر والحمى»؟ لو أن كل مسـلم تبرع بدولار واحد لكان لهم الدفء والغذاء والكساء. أين أغنياء العرب والمسلمين؟
لا يهمني من يقصف ومن يطلق الرصاص، يهمني الأبرياء الذين يدفعون الثمن، ويتاجر بهم الجميع، وتعـقد مؤتمرات واجتماعات، ويبيعهم الجـميع كلاماً جـميلاً لا يسـمن ولا يغـني من جوع، ولو أننا جمعنا محاضر الجلسـات وأحرقناها، لصارت ناراً عظيمة تدفئ الهاربين من الموت إلى الموت.
أنا من الذين تعلموا نشـيد «بلاد العرب أوطاني» قبل أن يتعلموا النشـيد الوطني، ويؤلمني ما يؤلم العـرب جميعاً، فهل العـرب بخير؟ أنظر إلى الوطن من الماء إلى الماء فلا أجده بخير، هل العراق واليمن وليبيا ولبنان وتونس بخير؟ كيف أكون بخير؟

بقلم : نزار عابدين

نزار عابدين