كتاب وأراء

إنها تنمية.. لكنها تنمية لعوائق التنمية

لا يكاد يمر يوم إلا وتسمع أحدا يقول إن العرب ينتقلون من سيئ إلى أسوأ. وما نسمعه صحيح تؤكده عشرات الأدلة الدامغة. أسعار النفط المتراجعة، وأعداد القتلى المتزايدة، وقوة إسرائيل المتصاعدة، وتدخلات إيران المتعددة، والحروب الأهلية المتكاثرة، والصراعات الطائفية البغيضة ليست إلا أمثلة قليلة تبين أين كنا وأين أصبحنا وأين يمكن أن نكون. وباستثناء المتفائلين بلا سبب والمتفائلين نفاقاً والمتفائلين بطبيعتهم، بات معظم الناس مستعداً للأسوأ. يخافون الغد ويظهرون حنيناً لما كان قائماً قبل سنوات قليلة. ولا يعني حنينهم أنها كانت سنوات رائعة، وإنما أنها كانت على سوئها أفضل من وجهة نظرهم مما وصلوا إليه.

تجد مصريين مثلاً يقفون بمنتهى الوضوح ضد مبارك وعراقيين ضد صدام ويمنيين ضد علي عبد الله صالح، ومع هذا وبرغم معارضتهم يقولون إن الأيام التعيسة التي مروا بها خلال عهود حكمهم تبقى أهون من أوضاعهم الحياتية الراهنة الأشد قلقاً. وليس هؤلاء وحدهم من يظن أن الأسوأ لم يأت بعد، وإنما بات الخوف من الغد طاغياً في كل مكان.

ولأن الأحوال تنتقل بسرعة من سيئ إلى أسوأ فلا بد للتشخيص الفكري والتوصيف اللغوي الذي ظل مسيطراً لسنوات طويلة أن يتغير. فعلى مدى عقود كان الخطاب الفكري والسياسي والإعلامي يتكلم باستفاضة عن معوقات التنمية العربية. نُشرت آلاف المقالات وطبعت مئات الكتب وصدرت عشرات الدراسات وعقدت سلاسل من الندوات والموتمرات بحثت كلها في كيفية تخطي عوائق التنمية العربية. إلى أن أتى يوم تبين فيه كم كان هذا الخطاب بأكمله زائفاً ومغالطاً. ليس فقط لأن التنمية الموعودة لم تتحقق وإنما لأن تنمية عوائق التنمية، كانت هي التنمية الوحيدة التي لم تنقطع. لا يوجد عائق واحد للتنمية تغلبت عليه الأغلبية الكاسحة من المحاولات العربية. خذ مثلاً زيادة السكان أو التبعية الخارجية أو سوء توزيع الثروة أو الفساد الإداري أو الضغائن الطائفية والمذهبية والعرقية أو نقص الكوادر المؤهلة أو اتساع الفجوة بين الريف والحضر أو ضعف مخرجات التعليم. فهذه وعشرات أخرى غيرها قيل وكتب عنها مراراً باعتبارها عوائق تحبط التنمية. كما قطعت وعود وردية متكررة بالقضاء عليها. ثم ظهرت الحقيقة عياناً بياناً لما تأكد أن معظم هذه العوائق كان يزداد وأن السياسات التي طالما وعدت بالتنمية لم تفعل شيئاً إلا تنمية عوائق التنمية.

ومع كل تنمية لعوائق التنمية كان يتضح أكثر ذلك التناقض الهائل بين الأرقام العربية والأحاسيس العربية. فبالأرقام مثلاً كانت هناك مدارس جديدة تبنى لكن بالأحاسيس كانت الثقة في التعليم تتزعزع. وبالأرقام كان الدخل القومي يتضاعف لكن بالأحاسيس كان الشعور بالظلم الاجتماعي يتعمق. وبالأرقام كان عدد المستشفيات يكثر وكانت سنوات العمر المتوقع عند الميلاد تزداد لكن الأداء الصحي ومزاج الإنسان ظلا يتراجعان. بالأرقام تستطيع كل الدول العربية تقريباً أن تدعي أنها حققت «نمواً». لكن بأحاسيس وانطباعات الناس يتأكد أن أغلبها لم يعرف بعد طريق «التنمية». فالنمو مجرد رقم يباهي به اللسان. أما التنمية فانطباع لا تخطئه الفطرة.

ولعل تقرير 2015 للتنمية البشرية حول العالم الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يذكّر من جديد بتواضع مؤشرات التنمية إن لم يكن أيضاً بتراجع مظاهر النمو في معظم البلدان العربية. فباستثناء حالات قليلة ناجحة قدمتها بعض دول الخليج، يلفت التقرير إلى أن ترتيب العراق مثلاً برغم ثرائه أتى متخلفاً 54 مرتبة عن كوبا (المرتبتين 121 و67 على التوالي)، وأن الجابون (110) تفوقت على السودان (167)، وأن كوستاريكا (69) سبقت المغرب (126). وتلك مجرد أمثلة عابرة.

هناك مشكلة ومشكلة كبيرة. لقد لهثنا وراء النمو ونسينا التنمية. حرصنا على «تضبيط» الأرقام وأغفلنا حالة الإنسان. بدلاً من أن تساعده السياسات العامة في تحطيم عوائق التنمية التي تعترض أحلامه رفعتها عالية في وجهه. إن نمواً بلا تنمية نمو بلا قيمة، أشبه بالحفر للخروج من حفرة. وكلاهما خطأ. فلا الحفر هو سبيل الخروج من الحفرة ولا النمو هو المقياس لبلوغ التنمية.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات