كتاب وأراء

كل المخلوقات تشير إلى وحدانية الخالق



كان العالم الكبير الراحل عبد المحسن صالح يقول إن في الخلق إبداعا ظاهرا وإبداعا باطنا، فالظاهر هو ما يدركه الناس بحواسهم، ويحاولون معرفة بعض أسرار الخالق الدقيقة التي تظهر في مخلوقات كثيرة ومثيرة باختلاف أشكالها وألوانها، ولأن العلماء يتعاملون مع أسرار الحياة فإنهم يدركون أنهم يتعاملون مع سنن متقنة، وقوانين محكمة لا يعتريها الخلل، ونظام محكم يشمل كل المخلوقات في إطار واحد يشير إلى وحدة الخلق ووحدانية الخالق.
وكان يقول إن دراساته وأبحاثه جعلته على يقين بأن كل صغيرة وكبيرة في الخلق محكومة بأسباب وعوامل طبيعية تدل على أن الخالق جعل في كل مخلوق من مخلوقاته نظامه وقابليته للتغير والتطور. فكل كائن حي تحدد صفاته الأحماض النووية في نواة الخلية، ومع أن جزئيات هذه النواة واحدة في كل الكائنات إلا أن ترتيب هذه الجزئيات يختلف.. وهذه الجزئيات يمكن فهمها على أنها تشبه الحروف التي تتكون منها الكلمات، ويمكننا أن نكتب ما نشاء من مجلدات من عبارات هي كلمات مكونة من نفس الحروف، ومع اختلاف ترتيب الحروف تكون كل كلمة مختلفة عن غيرها مع أن آلاف الكلمات مكونة من نفس الحروف وهي في اللغة العربية 28 حرفا ولكن الكلمات المكونة منها لا نهاية لها.
ومن ذلك كان الدكتور عبد المحسن صالح يشرح كيف أن الله سبحانه وتعالى خلق المخلوقات على هيئة شفرة كيميائية وبها يخلق ما يشاء، وجعل الخلق محكوما بعوامل فيزيائية وكيماوية وبيولوجية وبيئية...الخ وكل ذلك محصلته النهائية تنبع من الكون وتصب فيه.
فالحياة ممثلة في كل المخلوقات تسرى حسب خطة محكمة تبدو في النهاية في تناسق كامل، ويحدث تفاعل بين هذه العوامل الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والبيئية فيؤدي هذا التفاعل إلى ما يسميه العلماء «الطفرة»، وهو تغير محتوم في الموروثات التي تعطي للكائنات صفاتها، فيظهر في كل كائن حي صفات ورثها عن والديه وأجداده، وقد يحدث في حالات نادرة أن تحدث طفرة في الصفات الوراثية فنرى كائنا مشوها، وتشير بعض الإحصائيات إلى أن من بين كل مائة ألف طفل يولد 60 حالة فيها تشوهات خلقية كبيرة قد تجعل حياتها مستحيلة، وقد يولد 450 طفلا بصفات شاذة ولكنهم يعيشون، وهذا شذوذ يخضع لقواعد أيضا أو على الأقل أمكن للعلماء فهم أسبابه، وفي ذلك حكمة بالغة، لأن الشذوذ يجعل الأسوياء يدركون النعمة التي أنعم الله بها عليهم لعلهم يشكرون.
ولكن الشذوذ يأتي من الإنسان وهناك أدلة كبيرة على ذلك، فعندما أصرف الناس في استعمال المبيدات للقضاء على الحشرات وأسرف في استعمال المضادات الحيوية للقضاء على الميكروبات التي تصيب الإنسان بالإمراض ظهرت «الطفرة» في حشرات تقاوم المبيدات، وميكروبات تقاوم المضادات الحيوية المعروفة، وعندما ألقى الأميركان القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي في اليابان مات آلاف اليابانيين فورا، وبقي قليل من سكان المدينتين وما حولها ولكن النساء الحوامل جاء أطفالهن بخلقة شاذة ومن الأطفال من ولد ميتا وظل أثر الإشعاع الذري باقيا لسنوات طويلة.. وعندما تناولت بعض النساء الحوامل في ألمانيا عام 1962 عقار «الثالوميد» جاء آلاف المواليد إلى الحياة مشوهين، مما يعنى أن هذا الدواء المهدئ قد أثر على العمليات البيولوجية الحساسة أثناء تشكل الجنين.
وهنا يقع اللوم على الإنسان.. وهذا ما يؤكد «أن ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك»..صدق الله العظيم.
بقلم : رجب البنا

رجب البنا