كتاب وأراء

مشاورات «تشكيل الحكومة».. المغاربة يتابعون مسلسلاً غير مشوق


كان عبد الإله بن كيران رئيس الحكومة المكلف يأمل أن يحظى بدعم مباشر أو غير مباشر من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس لحل عقدة تشكيل الحكومة طال انتظارها في المغرب، بيد أن العكس تماماً حدث، ذلك أن العاهل المغربي أنحى باللائمة على بن كيران نفسه وحمله مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة فترة تقترب الآن من ثلاثة أشهر، وهي مدة زمنية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
أطلق بن كيران تصريحات تحدث فيها بوضوح أن الحزب الرابع الذي يرغب في ضمه إلى ائتلاف يضم ثلاثة أحزاب يضع شرطاً لا يمكن قبوله.
كان بن كيران يعني «التجمع الوطني للأحرار»، وهو حزب موالاة تشكل بمباركة القصر الملكي عام 1977 وتزعمه وقتها أحمد عصمان صهر الملك الراحل الحسن الثاني.
ظن بن كيران أنه إذا اشتكى علنا من شروط «التجمع الوطني للأحرار» وزعيمه الجديد عزيز أخنوش الذي تربطه علاقة قوية مع القصر الملكي، فإن القصر سيتدخل لحل عقدة مشاورات تشكيل حكومة وصلت إلى طريق مسدود.
بيد أن الملك قرر بدلاً من ذلك إيفاد المستشارين عبداللطيف المنوني وعمر القباج إلى بن كيران ليجتمعا معه يوم السبت وهو يوم عطلة في المغرب في مقر الحكومة ويطرحا عليه سؤالين: لماذا تأخر تشكيل الحكومة، ومتى يتوقع أن تتشكل؟
ومع السؤالين كان هناك طلب واضح:ضرورة الإسراع بتشكيل هذه الحكومة في أقرب الآجال.
تفادياً لأي تأويل أو قراءة مختلفة بادر الديون الملكي إلى إصدار بيان مقتضب وواضح يقول إن العاهل المغربي كلف المستشارين الاجتماع مع بن كيران «لإبلاغه حرص الملك أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة في أقرب الآجال».
عندما كلف بن كيران في العاشر من أكتوبر (تشرين أول) الماضي بتشكيل حكومة جديدة على ضوء نتائج الإنتخابات، كانت التوقعات تشير إلى أن تحالفاً يضم أربعة أحزاب هي «العدالة والتنمية» (إسلامي) و«الاستقلال» (محافظ) و«التقدم والاشتراكية» (يسار) و«الاتحاد الاشتراكي» (يسار) هي التي يمكن أن تشكل الحكومة.
استطاع بن كيران أن يضمن مشاركة «الاستقلال» و«التقدم والإشتراكية» إلى جانب حزبه في الحكومة الجديدة، لكن المعضلة التي واجهت بن كيران أن مقاعد الأحزاب الثلاثة في مجلس النواب تبلغ (183 مقعداً) وبعملية بسيطة كان هذا التحالف يحتاج إلى 15 مقعداً لتكون له أغلبية في مجلس يتكون من 395 نائباً،
هذا الافتراض تطلب من بن كيران التوجه نحو «التجمع الوطني للأحرار «ولديه 37 مقعداً، ليطرح عليه إقتراح المشاركة في الحكومة، بيد أن عزيز أخنوش إشترط إبعاد حزب «الاستقلال» من الحكومة الجديدة.
هنا أسقط في يد بن كيران.
إذ أن زعيم «العدالة والتنمية» كان قد وعد «الاستقلال» بأن يكون ضمن الائتلاف الحكومي، والتزمت قيادة حزبه باحترام «إرادة الناخبين»، وذلك بالإتجاه نحو الحزب الثالث في الترتيب وضمه إلى الحكومة بعد أن أسقط من حساباته الحزب الذي احتل المرتبة الثانية وهو «الأصالة والمعاصرة» الذي حصل على 102 مقعد، عقب إعلانه أنه لن يشارك في حكومة يقودها «الإسلاميون»، خاصة أن الحزب قدم نفسه بديلاً لهم، لكنه أخفق في احتلال المرتبة الأولى كما كانت قيادته تتمنى.
كان صعباً على بن كيران استبعاد «الاستقلال» وصعباً عليه أيضاً أن يبحث عن حزب آخر من غير «التجمع الوطني للأحرار» نظراً للعلاقة القوية التي تربط عزيز أخنوش مع القصر الملكي، وكان لافتاً في هذا المجال أن العاهل المغربي عندما كان في الدار البيضاء زار منزل أخنوش وكان ضيفاً على مائدته، وهي في «لغة الرموز» المغربية تعني الكثير.
بعد أن وصلت مفاوضات بن كيران مع أخنوش إلى طريق مسدود، نقل زعيم العدالة والتنمية» نقاط الخلاف إلى العلن وفي ظنه أن القصر الملكي سيتدخل لصالحه ويضغط على أخنوش، ذلك لم يحدث. بيد أن ما حدث أن العاهل المغربي حمل بن كيران وبوضوح مسؤولية تعثر تشكيل الحكومة.
هكذا عادت الأمور إلى المربع الأول..وهكذا أيضاً عاد بن كيران ليتفاوض من جديد مع أخنوش، وهكذا ثالثاً يتابع المغاربة مسلسلاً لم يعد مسلياً لأطول مشاورات في تاريخ البلاد لتشكيل الحكومة.
بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل