كتاب وأراء

مطلوب انشغال أكبر بممازحة الكون

من شخصية «سيدوري» الرمزية في ملحمة جلجامش قبل 4700 سنة إلى إسهامات الفيلسوف السويدي المعاصر «توربيورن تانسيو» والعالم يهتم بالبحث عن السعادة. وبعد أكثر من 4500 سنة من الانشغال الإنساني بأمرها تقرر في 28 يونيو 2012 على هامش فعاليات الدورة السادسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة أن يكون العشرون من مارس من كل عام اليوم العالمي للسعادة. وقد سبقت ذلك جهود عديدة كان من بينها إنشاء «مؤسسة الاقتصاد الجديد» البريطانية في 2006 لقياس مستوى السعادة عبر العالم. وتلا ذلك جهود أخرى من بينها إصدار مجموعة من الخبراء المرموقين، أحدهم الاقتصادي الشهير جيفري ساكس، تقريراً سنوياً عن السعادة حول العالم.

أصبحت المقارنة بين الدول تجري على أساس نصيب مواطنيها من السعادة. ولا ضير في ذلك. فالسعادة قضية كبرى. هي تحد يواجه الإنسان وأمل يتمنى الوصول إليه. هي رده التلقائي على الشقاء ومحاولة منه للانشغال بممازحة الكون بدلاً من الاستسلام لقوى العبوس التي تشوهه. لكن البحث عن السعادة قد يصبح سبباً للمعاناة إن لم تكن له ضوابط تحكمه حتى لا يسعد الأقوياء على حساب الضعفاء ويسرق الأغنياء قوت الفقراء ويتلهى الأشقياء بكرامة الأسوياء. فالسعادة لا تكون ملموسة إلا لو كان للجميع نصيب فيها.

وهذا هو سبب اعتماد مقاييس السعادة على حسابات مركبة تأخذ في اعتبارها عدة أبعاد من قبيل متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، وعدد السنوات التي يعيشها مصحاً، والدعم المتوفر له عند العوز، والثقة التي يشعر بها في بلده، والحرية التي يتمتع بها في اتخاذ قراراته. وهذه مثلاً كانت الأبعاد التي أخذ بها «تقرير السعادة العالمي» في إصداره الرابع في 2016 وانتهى وفقاً لها بترتيب 157 دولة وفقاً لحظ مواطنيها من السعادة. وتؤكد نتائج ذلك التقرير بالنسبة للدول العربية أن أكثرها ما يزال مطالباً ببذل مجهود أكبر لممازحة الكون والاهتمام أكثر بتحقيق السعادة.

فباستثناء الإمارات (28) وقطر (36) والجزائر (38)، والتي جاءت في الربع الأول من الترتيب، تأتي معظم الدول العربية في الربع الاخير. مصر مثلاً ترتيبها (120). أما سوريا فجاءت في المرتبة قبل الأخيرة (156)، والسودان (133)، والعراق (112) واليمن (147). ومع أن للأرقام دلالة إلا أن العبرة تبقى دائماً للإحساس وليس في الإحصاء. وأحاسيس الناس تؤكد أن معظمهم ليس سعيداً. العرب من كل الفئات وكل المهن يسكنهم القلق ويعشش الخوف فيهم ويبدو الإحباط واضحاً عليهم. حتى من يتمتع منهم بمستويات مادية طيبة إلا ويظهر ما يؤكد إفتقاره إلى السعادة. قدرة الأغلبية العربية الساحقة على اختزان المخاوف وتعبئة الوعي واللاوعي بأحاسيس القلق باتت ملحوظة.

وتقف السياسة بلا منازع وراء تلك التعاسة. فقد علمت الناس ألا يمازحوا الكون وأن يكتفوا منه فقط بلقمة العيش. ليس مسموحاً لهم أن يمزحوا أو يسخروا أو يغردوا بتلقائية وإلا لأهينوا وجرموا وحرموا من أبسط حقوقهم. والتدين المغلوط أيضاً أضاف إلى المشكلة عندما أصر دعاته على أن الضحك حرام وممازحة الكون جرم وحب الدنيا لعنة. ناهيك عن التكوين الثقافي المشوه للعربي الذي يعتبر أن الضحك مقدمة محتملة لكارثة قادمة توجب عليه أن يردد باستمرار «اللهم أجعله خيراً».

وطالما أن الخطاب السياسي لا يتغير والخطاب الديني لا يتجدد والخطاب الثقافي لا يفكك القناعات الشعبية المغلوطة، سيبقى نصيب العربي من السعادة وممازحة الكون محدوداً. العربي اعتاد أن يخشى الكون وأن يسمع خطاباً يكرّهه فيه وينمي لديه مخزوناً غريباً من الكراهية يتفجر على هيئة صراعات تأكل الآن بلداناً بأكملها وعنف ينساب في كل صوب وإتجاه. وبما أن الحل الجماعي ليس وارداً طالما ظلت تلك الخطابات الثلاثة على حالها، سيبقى على غالبية العرب أن يهتم كل فرد منهم بنفسه وبنصيبه من السعادة وأن يمازح الكون حتى يوفر لنفسه ما كان يجب على الدولة أن توفره له.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات