كتاب وأراء

نفوس خربة

في جميع مراحل التاريخ عرف الأدباء نوعا واحد من الإرهاب. هو إرهاب الحكومات. ولكنهم لم يعرفوا كثيرا هذا الإرهاب الأدبي الذي يهدد بسلب حرية وكرامة وسمعة الكاتب. وهو إرهاب أشد خطرا على حرية الكاتب من خطر السجون كما يقول الأديب الراحل احمد بهاء الدين. وهو ليس إرهابا فحسب. ولكنه نوع من الدمار الخلقي والخراب النفسي. فمن الخراب النفسي ان يصبح تلويث الشرفاء سهلا ومباحا إلى هذا الحد. ومن الخراب النفسي ان يستعدي احد الكتاب سلطات الدولة على كاتب آخر. والغريب ان أكثر الكتاب الذين يرتكبون هذه التصرفات لا يخجلون من التشدق بالديمقراطية وحرية الفكر. وهم ألد أعدائها. ان الأيمان بالفكر والحرية والديمقراطية لا يتعدى أطراف ألسنتهم. ان الذي يؤمن بالعدل والحرية والديمقراطية إيمانا حقيقيا يسكن العقل والقلب. يحترم حرية الآخرين. ويحترم حقهم في التجديد والرأي. وان كان مخالفا لرأيه وتفكيره. ويناقشهم على هذا الأساس. أما الذين يشهرون سلاح الإرهاب في وجه صاحب كل رأي. فهم يفهمون حرية الرأي على أنها حرية رأيهم هم فحسب. هم يؤمنون بعقولهم وحدها لا بأثر احتكاكها بعقول الآخرين. هم يذكرون ويرددون الشعارات الرنانة على الورق وخلف المنابر. ويتجاهلونها عند ما يطبقها غيرهم على أرض الواقع. ويجعلونها تبدو للناس شيئا تفوح منه رائحة الخيانة والدناءة وانهيار الذمم. وليس هناك ضلال يفوق ضيق تفكير من يعتقدون ان الحرية حكرا عليهم... كان روجيه جارودي المفكرالفرنسي المسلم الذي حاربوه وكاد يدخل السجن بسبب معاداته للصهيونية يكرر: أن أشق الأمور ليس دائما ان نحل المعضلات بل هي أحيانا ان نطرحها! وهذا صحيح إلى حد كبير. وثمة ضلال آخر صادر عن فهم سيئ للحقيقة. ألا وهي الحرب الفكرية التي يمارسها البعض ضد من يتميزون عنهم. فيصادرون حرية الرأي والإبداع باسم الحقيقة. مع ان جوهر الحقيقة هو الضمير الحي، الضمير الصادق الذي يطالب بحريته وحرية الآخرين. ويحتفي بنجاح الآخرين كما يحتفي بنجاحه... لقد انزعج البعض من نجاح الموسيقار «بيتهوفن» وإقبال الناس عليه فهاجموه قائلين: انه لا يتوقف عن معارضة كل القوى السياسية بموسيقاه. ولم يتوقف احد عند هذا الاتهام فما علاقة الموسيقى بالقوى السياسية؟ ثم عادوا يؤكدون أن كل سيمفونية كتبها سابقا أو سيكتبها لاحقا تدل على الجهل والابتذال، وقد نجح هذا التحريض المدروس والمنظم في منع تدريس موسيقاه للطلبة والطالبات في المعاهد الموسيقية.. فكان أن حفظوا كل مؤلفاته سرا. ولما مات سارت فيينا كلها خلف جنازته. وأرسل «أدوارد مانيه» الرسام الفرنسي المشهور والذي تحتل معظم لوحاته متحف «اللوفر» وتباع بالملايين رسالة وهو على فراش الموت لشخص اعتاد ان يخصه بالتجريح البذيء بمناسبة وبدون مناسبة يقول فيها: كم أود ان يتاح لي قبل ان أمضي مطالعة مقالك الرائع الذي ستختصني به عندما أموت..
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري