كتاب وأراء

العنصرية والعظمة الوطنية

تجاوزت العولمة قضية اختراق الحدود السياسية والقفز من فوق الحواجز الطبيعية لتبادل المعلومات إلى تنقّل الأشخاص والجماعات في هجرات جماعية واسعة النطاق. تركت هذه الهجرات آثاراً مختلفة على الهويات الوطنية مما أطلق ردات فعل معاكسة. من مظاهر ردات الفعل هذه، ارتفاع موجات التطرف الوطني. وما صعود دونالد ترامب في الولايات المتحدة سوى واحد من هذه المظاهر. فقد شق طريقه إلى البيت الأبيض من خلال رفع شعارات الكراهية ضد المهاجرين من المكسيك تحديداً، ومن دول أميركا اللاتينية عامة، وكذلك ضد المسلمين. وقد ترجم ذلك في العناصر التي اختارها لتشكيل إدارته الجديد.
وقبل ترامب عكست نتائج الاستفتاء في بريطانيا حول قضية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي حجم القلق من الهجرة الأجنبية، وخاصة من دول أوروبا الشرقية (بولندا تحديداً). فقد كان التصويت بالانسحاب الذي فاجأ العالم وليس أوروبا وحدها – تصويتاً ضد فتح الأبواب أمام الهجرة، رغم كل المكاسب المالية والاقتصادية التي تجنيها بريطانيا من خلال عضويتها في الاتحاد. ووجد رئيس الحزب الوطني البريطاني الذي قاد الحملة من أجل الانفصال، في نجاح ترامب، نجاحاً له. فكان في مقدمة المهنئين.. وفي مقدمة المحتفلين!!
وتشمل هذه المواجهة كذلك الاتحاد الروسي أيضاً. ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين استجابة منه للشكاوى الروسية من المهاجرين من دول آسيا الوسطى التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق (كازاخستان وتركمانستان تحديداً)، رفع شعارات وطنية استبعادية للمهاجرين، ترجمتها إجراءات قمعية وتشريعات قانونية ضد الهجرة.
وحدها ألمانيا، وبموقف جريء واستثنائي من المستشارة انجيلا ميركل، فتحت الأبواب لاستقبال مليون لاجئ. وهي الآن تدفع ثمن ذلك غالياً عشية قرارها بالترشح لدورة رئاسية جديدة. ذلك أن معارضي سياستها من الهجرة سجلوا تقدماً في الانتخابات الفرعية وفي الانتخابات البلدية.
وعلى العكس من مواقف ميركل في ألمانيا، فإن استطلاعات الرأي تبين بوضوح أن الأحزاب الوطنية المتشددة (في فرنسا – ماري لوبان المرشحة لرئاسة الجمهورية. وفي هولندا وبلجيكا، وكذلك في الدول الاسكندينافية – السويد والنرويج والدانمارك) تلقى تجاوباً شعبياً واسع النطاق، لا عهد لها به من قبل.
فالهجرة التي سجلت في العام الحالي (2016) رقماً قياسياً في التاريخ الحديث، لا تقتصر أسبابها على الحاجة إلى العمل، أو حتى إلى الأمن المفقود، ولكنها تشمل ما هو أعمق وأبعد أثراً.
فالمسلمون الذين يبلغ عددهم في العالم مليارا و600 مليون إنسان، يعيش ثلثهم اليوم في دول ومجتمعات غير إسلامية مع المسيحيين في أوروبا وأميركا وفي كندا وأستراليا ومع البوذيين في الصين وميانمار وتايلاند ومع الهندوس في الهند وسريلانكا.. يواجهون الاضطهاد في بعض هذه الدول وخاصة في الهند، ويواجهون الرفض وربما الإبعاد أيضاً، وخاصة في الولايات المتحدة في عهد رئيسها الجديد دونالد ترامب. وقد جاء السلوك العنفي لحركات التطرف ليقدم المبررات لهذا التحول العدائي الذي يشتد يوماً بعد يوم!!.
فانتعاش العنصرية غالباً ما يكون على حساب الديمقراطية. وما حدث في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة لم يكن هزيمة فقط للحزب الديمقراطي، بل كان هزيمة للديمقراطية ذاتها من حيث إن انكفاء المعتدلين عن المشاركة في الاقتراع وإقدام المستنفرين عنصرياً على الإقبال، أدى إلى النتائج التي فاجأت العالم، بل والتي فاجأت حتى الفائز نفسه دونالد ترامب!
فالشعار الذي رفعه ترامب «لنجعل أميركا عظمية مرة أخرى»، يرفع بوتين شعاراً مماثلاً له في روسيا ويرفع نارندرا مودي شعاراً مماثلاً آخر في الهند. وهو الشعار الذي رفع أثناء حملة الانفصال البريطاني عن أوروبا.
تعني هذه المتغيرات – وبلغة عربية واضحة- بداية قيام عالم جديد. عالم يقوم على قاعدة إذا لم تكن عظيماً.. يسحقك العظماء!!

بقلم : محمد السماك

محمد السماك