كتاب وأراء

خرافـــــات ندفـــع ثمنهـــا الباهظ

آه من الأفكار. جميلة تجذب وساحرة تسبي. بعضها أخطر من السلاح بل وقد تدفع البعض أحياناً إلى حمله. فكم من حرب انزلق إليها البشر من أجل فكرة؟. وكم من معارك خاضوها من أجل أفكار ألهبتهم ثم عادوا إلى نقدها بعد ما ذاقوه من فشل؟. الفاشية والنازية والشيوعية والأصوليات القومية والدينية المتطرفة نماذج لأفكار حشدت خلفها وقُتل بسببها مئات الملايين ثم تبين أنها أقرب إلى خرافات وأساطير. يحلم بها الناس لكنهم لا يمكن أن يحققوها

ولا يزيد الفارق بين الفكرة والخرافة عن شعرة صغيرة أو خط فاصل رفيع. فالفكرة تصور والخرافة أيضاً تصور. لكن الفكرة تصور يتحكم العقل في حدوده. أما الخرافة فتصور يحكم العقل بلا حدود. الفكرة بناء منطقي عادي. أما الخرافة فخيال يعادي المنطق. الفكرة محاورة مفتوحة داخل العقل تظل تختمر ببطء إلى أن ينتهي صاحبها إلى قناعة مدروسة تهديه إلى أنسب سلوك رشيد. أما الخرافة فحديثها دائماً حاسم ومن طرف واحد. لا تقبل أن يناقشها أحد وإنما تطلب من الكافة أن يستسلموا لها وأن يسلموا بها ويتصرفوا كما تمليه عليهم.

ولأن كل فكرة يصنعها في النهاية بشر، فلا يمكن لأي فكرة أن تعكس الحقيقة كما هي وإنما تعكس فقط صورةً لها كما يراها واحداً من الناس. ومع هذا تبقى الفكرة أفضل بكثير من الخرافة. فمن يفكر بحق لا يمكن أن يدعي أنه يملك الحقيقة وإنما يقول بتواضع أنه يقدم رؤيةً عنها. أما الخرافة وإن كانت محض خيال فإن من يدافع عنها يراها بمنتهى الثقة عين الحقيقة. ولهذا قد يكون للخرافة قوةً أكبر في أذهان بعض الناس من قوة الحقيقة. خذ مثلاً تصورات من قبيل النقاء والكمال والاستثنائية والتفرد والاصطفاء والرسالية. فكلها نماذج لخرافات كثيراً ما أطبقت على ذهن كثير من الأمم والمجتمعات.

والخرافات وإن كانت خيالات إلا أن استحواذها على حيز كبير من العقل الجمعي في بعض المجتمعات يفرض التعامل معها كواقع وحقيقة. ليس لأنها بالفعل كذلك وإنما لأنها موجودة كتصور اجتماعي ونمط ثقافي يهيمن على الأذهان لا يمكن الاستخفاف بهما وإن بقى من الواجب التنبيه المستمر إلى فداحة الثمن الذي يدفع بسببهما.

وقد دفعت منطقتنا وما زالت تدفع ثمناً باهظاً بسبب خرافات قصرت طويلاً في نبذها ومحاسبة قوى التنفذ والتنطع التي كرستها ونشرتها ودافعت عنها. من ذلك على سبيل المثال خرافة الفرد المخلص الذي ما يزال البعض ينتظره برغم أن التاريخ العربي يكشف بجلاء في أكثر من مرة وأكثر من بلد أن ذلك المخلص عادةً ما يأتي لا ليخلص الشعوب وإنما ليتخلص منها وأحياناً ليخلص عليها. ومنها كذلك خرافة الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة مع أنها كانت وما زالت تتقاتل وتتناحر بعيداً عن أي معنى سام يفترض في الرسالية والخلود. ومنها بالمثل خرافة الحل الكامل والنهائي الذي زعمه البعثيون تارة والناصريون تارة والإسلاميون تارة ثالثة.

لقد دفع العرب كلفة باهظة لخرافات سياسية وفلسفية ودينية تعنتوا طويلاً في مراجعتها ووقفوا بعناد ضد تعريتها وضد العقلاء الذين حاولوا إفهام الشعوب أنهم يتعاملون مع أفكار تقبل الدحض والتعديل وليس مع أساطير لا يمكن أن تنزل من عليائها. خرافة الزعيم المخلّص الذي دائماً ما تستحضره الضرورة هي التي غيّبت تحقيق انتقال عربي كامل إلى الديمقراطية. وخرافة القومية الجامعة هي التي منعت كل شعب من حقه في أن يتطور كما يحب. وخرافة الخلاص الأبدي الكامل هي التي أفرزت متشددين من غلاة القوميين تارةً ومن غلاة الإسلاميين تارةً أخرى افتقروا كلهم إلى مرونة التعايش مع الآخرين.

إن الخرافات أفكار جامحة تخرج بالإنسان من نطاق الممكن إلى غياهب المستحيل وتبعد به عن ما يمكن تنفيذه في الواقع إلى تصورات مخاصمة تماماً للواقع. ومع هذا فما يزال سداد فاتورة الخرافات العربية إلى اليوم مستمراً وسوف يستمر طالما أن المراجعات النقدية والجذرية العميقة للذات لم تبدأ.

د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات