كتاب وأراء

سياسات الإغراق .. هل يعفي جهل الحكومة الشعب من العقوبة ؟

سياسات الاغراق التجاري (DUMPING) معناها أن تصدر الدولة سلعة معينة بأسعار منخفضة في السوق العالمي عن سعرها في السوق المحلى. وفي بعض الأحيان يكون السعر العالمي منخفضا حتى عن تكاليف انتاج السلعة نفسها (أي يمكن ان تصدرها الدولة المعنية بخسارة). وعادة يكون الهدف هو اخراج المنتجين المحليين أو المنافسين من السوق ومن ثم تحتكره الدولة التي تمارس الاغراق وتصبح هي المنتج أو المصدر الوحيد وحينذاك يمكنها أن ترفع السعر وتسترد خسائرها ارباحا مضاعفة.
هذه الممارسات الاحتكارية ممنوعة عالميا وطبقا لقوانين منظمة التجارة العالمية يمكن للدولة المستوردة أو التي تم اغراق اسواقها في هذه الحالة أن تفرض رسوما على وارداتها من الدولة التي تمارس الاغراق حتى يرتفع سعر السلعة في السوق المحلي وتحمي المنتجين المحليين.
تمارس الصين سياسات الاغراق التي أغلقت مصانع وشركات في مختلف أنحاء العالم والتي جعلت من الصين مصنع العالم الوحيد في بعض السلع منذ امد غير قريب. ولعلنا سمعنا ان الصناعات التقليدية التي كانت تشتهر بها بلادنا لم تعد موجودة الأن. حتى السبح وسجاجيد الصلاة وفوانيس رمضان اصبحت تستورد من الصين واندثرت صناعتها في بلادنا. ولكن هل سمعنا أن حكوماتنا العربية فرضت رسوم اغراق على الصين؟ أو تفاوضت مع الصين من أجل حماية الصناعات المحلية التقليدية؟ بالطبع الاجابة سلبية. نسمع ذلك في الدول المتقدمة فقط. وكأن حكوماتنا العربية لم تسمع بهذه القوانين التي تفسرها وتقوم على تنفيذها منظمة التجارة العالمية.
من الجدير بالذكر أيضا أنه حينما قدمت الصين طلبها لعضوية منظمة التجارة العالمية في 1986 (التي كانت تسمى بالجات حينها) طلبت منها أميركا والدول الأوروبية واليابان القيام بالعديد من التعديلات والإصلاحات على اقتصادها وآليات ادارته. الهدف من هذه الإصلاحات أن تخلع الصين عنها رداء الشيوعية وضمان التنافسية العالمية وادماج الاقتصاد الصيني في الاقتصاد العالمي. وبعد مفاوضات مضنية ومجهدة وطويلة حاولت فيها هذه الدول أن تحصل من الصين المتشوقة لدخول الاقتصاد العالمي على بعض المنافع تم السماح لهذا التنين الأسيوي في الحادي عشر من ديسمبر عام 2000 (أي منذ خمسة عشر عاما على وجه التحديد) في أن تكون عضوا في المنظمة بوصفها «اقتصاد غير سوقي».
من الجدير بالذكر أن الصين خلال مفاوضاتها مع الدول المتقدمة التي استغرقت أكثر من عقد من الزمان كان عليها أيضا الحصول على تعضيد وتأييد الدول النامية ومن ضمنها دولنا العربية. كم يا ترى استغرق الوقت الذي امضته الصين في مفاوضاتها مع دولنا لتحصل على موافقتها لدخول المنظمة؟ الإجابة بضعة ايام ومع دولة كبرى مثل مصر أستغرق الوقت نصف ساعة!! هل حصلت دولنا على أي مزايا أو معاملة خاصة من الصين (مثل التي حصلت عليها مجموعة الدول المتقدمة) نظير تأييدها ودعمها لدخول المنظمة؟ الإجابة بالطبع لم يحدث.
الآن وحسب الصياغة الواردة في اتفاق انضمام الصين الأصلي للمنظمة يمكن أن تطلب الصين من المنظمة أن تعدل وضعها من «اقتصاد غير سوقي» إلى «اقتصاد سوقي». لماذا طلبت الصين منذ اسبوعين ذلك؟ وماذا لو رفضت أميركا والاتحاد الأوروبي طلب الصين؟ وكيف يمكن أن تواجه الصين ذلك القرار؟ وهل تحدث الحرب التجارية بين هذه الأقطاب العالمية؟ الإجابة التي سنحاول تفصيلها الأسبوع القادم تتعلق بسياسات الاغراق التجاري الصيني.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي