كتاب وأراء

وكالة البلح السياسية

لا تتعجبوا! هذه مدرسة سياسية جديدة ظهرت علينا منذ 3 أعوام تقريباً بعد أن قام جنرال عسكري مصري يدعى عبدالفتاح السيسي باستخدام القوات المسلحة وبقايا الفلول الرافضين لأي تغيير يمكن أن يقضي على الفساد أو «المصلحة» في مصر لإنتاج فيلم رديء الإخراج باهظ التكاليف تقول خاتمته إن الشعب المصري يحن إلى ديكتاتورية العسكر لأن ثمة مثلاً شعبياً يقول: إن القط يحب خناقه.
المهم أن فوهات الدبابات قالت كلمتها ووصل السيسي إلى الحكم كمنقذ زاهد في السلطة ثم كرئيس انتقالي قبل أن يقرر أن مصر تحتاجه فجلس على عرشها ملكاً متوجاً بصلاحيات مطلقة لم يحلم حتى حسني مبارك في أزهى مراحل حكمه بامتلاكها!
شيئاً فشيئاً بدأت تتشكل في مصر ملامح سياسة تشبه تلك المتبعة في وكالة البلح في مصر، و«وكالة البلح» لمن لا يعرفها هي سوق كبير يقع في منطقة بولاق أبوالعلا، بجوار مبنى التليفزيون المصري وهناك يمكنك أن تجد كل شيء تبحث عنه ابتداءً من الملابس المستعملة وانتهاء بقطع غيار السيارات وهناك أيضاً تخضع السلع للمقايضات السريعة حيث الأهم هو الحصول على المراد بأقل سعر ممكن وهو أمر مباح ولا غبار عليه في عالم المقايضات التجارية.
السياسة المصرية اليوم تفعل الأمر ذاته، فقد بتنا نشاهد كيف تتغير مواقف القاهرة عدة مرات في يوم واحد تبعاً للرياح السياسية والمصالح الآنية، ففي موضوع تصويت مجلس الأمن على قرار اعتبار المستوطنات في الضفة الغربية غير شرعية، حاول نظام السيسي كسب «بونط» سريع عبر محاولة إثبات انه نظام عروبي صاحب مواقف مبدئية فطرح القرار للتصويت في مجلس الأمن مقتنعاً بأن واشنطن ستسقطه بالفيتو.
لكن عندما اتضح له أن أوباما في وارد تصفية حساب قديم مع نتانياهو وأن المشروع المصري قد يجاز فعلاً، أدرك النظام أنه أوقع نفسه في ورطة كبرى قد تكلفه علاقاته مع إسرائيل وأميركا ترامب الجديدة، فسحب القرار فوراً لكسب «بونط» آخر مع سادة واشنطن الجدد.
وقد تكرر هذا الأمر في عدة مناسبات سابقة، كان أشهرها عندما خالف التوافق العربي وصوت إلى جانب روسيا حول الأزمة السورية لكسب «بونط» سريع دون الالتفات إلى أية اعتبارات باستثناء اعتبار تحقيق مصالحه الخاصة.
قبل أيام اعتقل هذا النظام منتجاً مصرياً في قناة الجزيرة لدى عودته لقضاء إجازة مع أهله في القاهرة، ولأن ذلك الموظف ليس صحفياً ولا مشاركاً في رسم سياسات الجزيرة بدا واضحاً أن الهدف هنا أيضاً تحقيق «بونط» آخر عبر ممارسة ضغط غير أخلاقي على القناة دون اعتبار لأدنى القواعد الإنسانية أو المهنية.
إنها «وكالة البلح السياسية» يا سادة!

بقلم : لؤي قدومي

لؤي قدومي