كتاب وأراء

السياسة والطعام وما بينهما

أوجه العلاقة بين السياسة والطعام عديدة، ولا غرابة في ذلك، فالسياسة لا تترك مجالاً إلا وكان لها فيه رأي ووجود، والطعام بدوره قد يحيي السياسة وقد يميتها، فكم من حكومات سقطت لما عجزت عن توفيره لشعوبها وكم من أخرى استمرت لما نجحت في تدبيره. ومن بين صور مختلفة للعلاقة بين السياسة والطعام تبرز ثلاث:

الأولى لا يزيد الطعام فيها عن مجرد موضوع للسياسة، فلا توجد دولة إلا ولها سياسات عامة تتصل بالطعام سواء بتوفير كمياته أو دعم أسعاره أو مراقبة سلامته أو الحيلولة دون هدره أو تنظيم تصديره واستيراده وجوانب أخرى عديدة لا يمكن للدولة الحديثة أن تتركها بدون تقنين وتنظيم.

والصورة الثانية يستعمل الطعام فيها كسلاح في الصراعات الدولية، فهناك دول تحاصر غيرها وتمنع الطعام عن أهلها لكي تحملهم على تغيير توجهاتهم، ممارسات لا رأفة فيها بحق الإنسان في الطعام ولا قيمة فيها لأية اعتبارات أخلاقية طالما تطلبت المصلحة واقتضت السيادة، وقد لفت إلى الخطورة المتزايدة لهذه الصورة الباحث الألماني «وليام شانبشير» في كتاب مهم بعنوان «سياسات الطعام: الصراع العالمي بين أمن الغذاء والسيادة على الغذاء».

والصورة الثالثة يتحول الطعام فيها إلى رمز للمقاومة وأسلوب في إدارة صراعات الهوية، من ذلك على سبيل المثال «معركة الأمعاء الخاوية» التي خاضها حوالي 1600 أسير فلسطيني في 2012 في السجون الإسرائيلية احتجاجاً على ما يتعرضون له من انتهاكات، أو ما يحدث من جدل بين الدول حول الجذور التاريخية لبعض الأطعمة. فاليابانيون والكوريون الجنوبيون مثلاً يختليفون بشدة حول أصل مخلل «الكيمشي»، سبق لليابان أن رفضت الوصاية الكورية عليه فاتخذته غذاء رسمياً لبعثتها في دورة أطلانطا الأوليمبية في 1996. وكوريا الجنوبية بعثت به مع أول رائد أرسلته إلى الفضاء في 2008 لتؤكد سيادتها عليه، ولم يختلف الأمر كثيراً بين تشيلي وبيرو اللتين تنازعتا حول أصل البطاطا التي نقلها المستعمر الإسباني إلى أوروبا وهل جاء بها من بيرو أم من تشيلي وهو ما وصل إلى حد تهديد وزير خارجية بيرو السابق «خوسيه أنطونيو جارسيا» برفع النزاع حول أصل البطاطا إلى الأمم المتحدة.

هذه الروابط الثلاثة لا تنفي وجود أخرى تسترعى الانتباه من بينها أن الطعام والسياسة يجب أن يخضعا لنفس الضوابط حتى يكون لهما نفع ولا يتسببا في ضرر، فلكي يكون الطعام صحياً لا بد له من شروط ثلاثة: كميات معقولة ونوعيات مناسبة وتوقيتات منتظمة، كميات لا تزيد حتى لا يترهل الجسد ولا تقل ليصاب بالهزال، ونوعيات لا تكتفي بمتعة المذاق وإنما تهتم بالقيمة الغذائية، وتوقيتات تعتاد أجهزة الجسم بفضلها على العمل بانتظام، أما من يأكلون كل شيء بأي كميات في أي وقت فيدفع أكثرهم الثمن باهظاً من صحته.

وللسياسة كما للإنسان جسد، لكن مكوناته ليست قلباً وطحالاً ورئةً وغيرها وإنما برلمان وحكومة وأحزاب وإعلام وقضاء ومكونات أخرى كثيرة، هذا الجسد السياسي لن يعمل بكفاءة إلا إذا راعى شروط الكميات والنوعيات والتوقيتات، والواضح في العالم العربي أن الجسد السياسي في أغلب دوله لا يراعي تلك الشروط، وهو ما وضح بعد محاولات التصحيح الشعبية في 2011. فأعداد الداخلين إلى الساحة السياسية، أو الكميات، كانت أكبر بكثير مما تحتمله ولهذا اتخمت وترهلت، كذلك كانت كفاءة الداخلين، أو النوعيات، متواضعة للغاية كشفت عن صور مخجلة تسيدها انتهازيون ومتسلقون وعدميون. وزادت الصورة سوءا مع سوء التوقيتات حيث جرى الاندفاع في وقت كان التريث فيه أوجب، والتباطؤ فيما كان التعجيل فيه أنسب.

أصيب الجسد السياسي في معظم البلدان العربية بالترهل والشلل وانسداد شرايين التواصل، أصبح ضخماً لكن بلا فعالية، تماماً كجسد بشري يأكل صاحبه كل ما يحلو له من كميات ونوعيات في أية توقيتات ومع ذلك يبقى منتكساً ومريضاً.

الكميات والنوعيات والتوقيتات ثلاثة أوجه للشبه بين السياسة والطعام. مراعاتها تحقق السلامة ومجافاتها تؤدي إلى الندامة. الطعام لا يقيم فقط أود الإنسان وإنما يقدم له كذلك الكثير من العبر.

د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات