كتاب وأراء

فلسفة الايمان

كل تشاؤم ينطوي على حكمة، لكنها حكمة عقيمة، وكل تفاؤل ينطوي على جنون، لكنه جنون خلاق. وعاش الكاتب والصحفي المصري «ثروت أباظة» في سلام مع نفسه حتى آخر يوم في حياته، لأنه كان متفائلا وقانعا وراضيا، يكتب في صمت ويبدع في صمت، لم يسع إلى منصب لكن المناصب سعت اليه، ونشر في عدد قديم من مجلة «الهلال» انه يؤمن بعدة أشياء هي خلاصة تجاربه في الحياة، وهي الخلاص لمن أراد عيشا هنيئا في الحياة أولها وأهمها الإيمان بالله: كلنا نؤمن بالله ولكننا نختلف في فلسفة هذا الايمان. فريق يؤمن ولكنه يثور، أو يتألم، أو ينهار، أو يتزعزع. لكن إيماني أنا تسليم واستسلام، وخضوع وخشوع، واحترام، ولقد تعودت في محني وأزماتي ان أروض أعصابي واحكمها عندما تداهمني مصيبة، فلا أثور ولا اغضب ولا أتوجع، ولا أناقش ولا أسود نفسيتي، أن ما حدث إرادة الله، ولا حيلة فيما أراده الله، وان كانت الكارثة تحتاج إلى تفسير، فِسرها عند الله، أو حكمتها عند الله، والله لا يكشف سره، ولا يسُأل ولا يسُتجوب فعلام الغضب؟ وعلام الثورة؟ ولماذا الألم والتألم؟ والوجيعة والتوجع؟.. هكذا بالمران والتدريب وبالتعود ظلت روحي مرحة في الأفراح والأتراح، والنكبات والمسرات، والأيام السود والبيض، وفي دوائر البخت والحظ، لا أسائل ربي: لماذا رفعت هؤلاء وهبطت بي؟ لماذا منحت هؤلاء وحرمتني؟ لماذا أبرزت هؤلاء وتركتني؟ لا.. هو أراد. ولا راد لإرادته. فليكن ما كان. وما سيكون سوف سيكون. وعندما تنتابني العلة وأقع فريسة المرض لا أسائل الله لماذا؟ لعله يمتحن ايماني.. لعله يختبر طاعتي. إذن ليكن ما يكون. وهكذا عُرفت بين أصدقائي بأنني قدري. وتفسير تلك القدرية انني أؤمن بالله.. اما إيماني الثاني فهو إيماني بالمبدأ.. والحياة مبدأ. وكم قامت أزمات وحاولت عهود ان تحولني بمختلف الأساليب فلم أتزعزع. وربما فاتني من مظاهر المجد ما فاتني. ومن مظاهر الثروة ما فاتني. ولكنني دائما اشعر أني سعيد. والأمانة عندي هي كل شيء. وهي الشيء الثالث الذي أتمسك به.وقد لا تدفع الأمانة جزاءها في البداية. ولكنك تقبضه في النهاية. قد لا يكون مالا. ولكنه ثقة واحترام ومناعة وحصن حصين. ان الأمانة رأس مال كبير لا تعدو عليه العوادي ولا تخدشه الملمات. ثم الإيمان بالمساواة في القدر. إنني أؤمن إيمانا راسخا بأن الله سبحانه وتعالى وزع نعمه على طبقات الناس جميعا بنسبة واحدة.. متساوية.. لقد منح الثري الملايين. والمال عصب ودعامة. ولكنه في الوقت نفسه خلق له غصة. إما الجزع على ملايينه.. أو عدم الإنجاب.. أو اعتلال الصحة.. أو قد يشعر أنه في حاجة إلى المجد.. إلى الشعبية...الى محبة الناس.. فلا يجدها. ويظل في حسرة المحروم وهو يملك الأموال الطائلة! ومنح الفقير الصحة والذرية والقوة. ولكن حرمه من المال. فتظل الحسرة حسرة. وتظل عينه على ما لدى غيره! ومنح البعض الشهرة ولكن حرمهم من الحرية الشخصية. وهكذا إلى ما لا نهاية. ومن هنا استعرت فلسفتي في الحياة وهي أن لا انظر لتحت. ولا انظر لفوق أبدا. فان هجس الشيطان في رأسي: لماذا ارتفع هذا؟ أجبته ولماذا هوى هذا؟ وكما تنظر لفوق وتجد خاملين قد تألقوا انظر لتحت فتجد من هو أكفأ منك وأصلح منك وأحق منك قد تساقطوا.. فاحمد الله على ما أنت فيه.
بقلم : وداد الكواري

وداد الكواري