كتاب وأراء

البحث عن أسباب للخلاف

يوما بعد يوم يزداد وضوحا عمق وتجذر الانقسام الحاصل بين السوريين، والذي لم يعد مقتصرا على الانقسام بين مؤيدين للنظام السوري ومعارضين أوثائرين عليه، ولا بين مؤيدي عسكرة الثورة ورافضيها، ولا بين المدافعين عن أسلمتها وإقامة دولة الخلافة وبين الحالمين بدولة مدنية ديمقراطية.
وصل الخلاف إلى مدنيي الثورة أنفسهم، الديمقراطيين المنادين بدولة العدالة والقانون وحرية الرأي والفكر والمعتقد وكأنهم يبحثون عن أي سبب كي يظهروا للعالم أن السوريين لا يمكن أن يتفقوا على شيء.
بدأ الأمر حين تناقل بعض المثقفين المقيمين في سوريا صورا لمعرض فني تشكيلي للفنان السوري المعروف يوسف عبدلكي، المقيم في دمشق، المعرض هو الأول له في دمشق بعد انطلاق الثورة وأقيم في صالة خاصة، وحضر الافتتاح حسب الأخبار والصور الواردة من تبقى في دمشق من المثقفين (غالبيتهم من معارضي النظام) ومنهم من اعتقل قبل الثورة بسنوات وأثناء الثورة، ومنهم من هو ممنوع من السفر
بمعنى آخر لم يكن معرض عبدلكي مناسبة للتقارب مع النظام في حال من الأحوال إلا كونه أقيم في دمشق، وهو ما دفع منتقديه للتأكيد أنه أقيم بعد الحصول على موافقة أمنية، معتبرين ذلك بداية للتطبيع مع النظام، بينما برر المدافعون عنه أنه في سوريا الآن لا يمكن التحرك خطوة دون الحصول على موافقة أمنية، كما أن الموافقةعلى معرض كهذا عادة ما تتقدم بها الصالة العارضة لا الفنان
وبالتالي هذا يبرئ عبدلكي من تهمة التطبيع مع النظام، كما اعتبر المنتقدون أن توقيت المعرض جاء مع تهجير سكان الأحياء الشرقية من مدينة حلب، ومع المجازر التي يرتكبها النظام وحلفاؤه بحق المدنيين، وهو أمر يؤخذ على عبدلكي ويضعه في موقف المتعالي على الدم السوري والمفصوم عن الواقع، خصوصا أن لوحات عبدلكي تبتعد تماما عن الحدث السوري اليومي،وهو ما برره محبوه بأن المرأة مع نظرتها الحزينة في لوحات عبدلكي ليست إلا سوريا المتروكة وحدها وسط الفراغ، أما توقيت المعرض فبرره المدافعون أن التحضير والإعلان عنه بدأ منذ مدة طويلة.
كما أن المجازر في سوريا لا تتوقف عند حلب، بل هي مستمرة بشكل يومي منذ خمس سنوات في كل سوريا، والمنتقدون في الخارج يعيشون حياتهم رغم هذه المجازر فلماذا يمنعون هذا على من هم في الداخل وينتقدونه؟ الخلاف طبعا بين الطرفين حول المعرض ليس سوى جزءا يسيرا من الحالة السورية البالغة التعقيد والتي يختلط فيها العام مع الشخصي مع الانتماءات ما قبل الوطنية وتاليا ما قبل الثورة، فهل كان المجتمع السوري عبارة عن مجموعات تتعايش بقوة الأمن والأمر الواقع أم أن ما يحدث هو أحد نتائج الحروب الطويلة الناتجة عن ثورات مشابهة وهل سيعود السوريون يوما ما ليكونوا شعبا واحدا حقا؟
بقلم : رشا عمران

رشا عمران