كتاب وأراء

رب ضارة نافعة

في كثير من ظروف حياتنا نجد ان المثل القائل: «رب ضارة نافعة» يقفز إلى اذهاننا، فحينما تسوء ظروفنا، ونخاف غدنا، وترتبك اذهاننا بما نمر به من مباغتات وصروف تحل بنا، نتصور اننا سنسير من السيئ إلى الاسوأ، ولكننا نتبين لاحقا بأن الله له حكمة في كل شيء يحدثه لنا.
فعلى سبيل المثال ترتفع اسعار كل شيء الآن في ام الدنيا، وظن كثيرون ان ذلك سوء حل بهم، ولا تحتمله موازناتهم الهزيلة بطبيعتها، ولكن من نفع ارتفاع الاسعار مثلا ان كثيرين اقلعوا تماما عن التدخين، وكاتب هذه السطور واحد من الذين ودعوا التدخين وداعا لا رجعة فيه بإذن الله، ليس فقط لان الميزانية لم تعد تسمح بترف التدخين الذي ارتفعت كلفته ايضا، ولكن لأن الصحة، والعمر الستيني، لم يعدا يسمحان بإعطاب البدن بتداعيات هذه العادة السيئة.
اقلاع كثيرين عن التدخين، ومنه تدخين الشيشة، خفض زبائن المقاهي على نحو ملحوظ، أو جعل الناس لا يقصدون المقاهي للتدخين، ولكن لارتشاف الشاي والقهوة بأنواعها، واليانسون والجنزبيل المخلوط بالقرفة والحليب والكركديه والتمر هندي و.. و،،، الخ، حتى ان «القهوجية» صاروا يقولون: «ان سوق الشيشة قد جبر»، وقال لي احدهم: سوف يستغرق هذا الحال فترة من الوقت، ولكن الشيشة ستعود، لا محالة، إلى عرشها التليد، فتمنيت في نفسي ان يخيب الله ظنه.
وكان كثيرون قد ودعوا تماما تربية الدواجن في بيوتهم خلال السنوات العشرين الماضية، طالما انها متوافرة في السوق، وبأسعار مناسبة، الآن صار المرء يسمع فجرا اصوات الديوك تؤذن وتصيح في كثير من الاحياء، وذلك لمواجهة الارتفاع في اسعار الدواجن، وأسعار البيض، فعودة تربية الدواجن إلى المنازل تأتي من قبيل التحدي الشعبي للالتهاب البشع في الاسعار.
وايضا من الملاحظات التي تعزز القول الجميل: «رب ضارة نافعة»، وعلى ذمة صديق، ان بعض الناس بدأوا في زراعة اسطح المنازل، كما لم تعد الحدائق المنزلية في الاحياء الارستقراطية هي لنباتات وأزهار الزينة، بل هناك من صار يلجأ إلى زراعة الخضراوات الموسمية، حتى ان بعض هذه المنازل لم يعد يشتري الكثير من هذه الخضراوات من السوق.
وثمة من يقول ان القرية المصرية التي كانت قد تمدينت حتى انها صارت تعتمد على الخبز الجاهز، ودواجن مثلجة، والحليب البودرة صارت الآن تخبز خبزها وتربي دواجنها، وتعود حاليا تحت وطأة ارتفاع الاسعار إلى خصالها الحميدة السابقة، فتكف عن استهلاك الحليب النيدو أو المعبأ في عبوات، وتعود إلى الحليب الطازج
ولكن التطور الاهم الناتج عن الارتفاع في الاسعار، هو مقاطعة كثيرين الوجبات الجاهزة السريعة، التي ظن بعض اصحاب مطاعمها ان الناس سيكونون اسرى طعمها اللذيذ، ليكتشفوا ان ارتفاع اسعار هذه الوجبات كان الضارة النافعة.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي